«الجاشع» طعام شعبي يجففه الرجال وتطحنه النساء

خولة علي (دبي) - ارتبط الأهالي قديماً بالبحر، فكانت علاقتهم وثيقة به، باعتباره مصدراً مهماً لرزقهم، فمن أحشائه استخرجوا طعامهم وحليهم، وصنعوا من أحجاره مساكنهم، فكان مصدراً لا ينضب من الخيرات، وقد تعامل الأهالي مع ثمار البحر، حيث وظفوها وفقاً لاحتياجاتهم وظروف البيئة المحلية، ما جعلهم يتفننون في التعاطي معها لسد رغباتهم اليومية. وعلى الرغم من صعوبة جلب وصيد الأسماك في بعض الأشهر، نظراً لقلتها، إلا أن هذا الأمر لم يمنعهم من تناول الأسماك، حيث استفاد الأهالي من خبرتهم الواسعة في عملية تجفيف أنواع من الأسماك، لتظل سيدة موائدهم اليومية، ومن هذه الأنواع سمك العومة (السردين)، الذي يصنع منه «الجاشع» أو «السحناه»، وهذه هي الألفاظ المتداولة بين الأهالي على الساحل.
في هذا الإطار، تقول الباحثة التراثية موزة راشد «على الرغم من توافر الأسماك بأنواعها المختلفة في الوقت الحالي، إلا أن الأهالي في المناطق الشرقية بشكل خاص ما زالوا يقومون بصناعة «الجاشع»، حيث يلجأ الأهالي إلى صناعته في أوقات ينحسر فيها صيد السمك، ويتوافر فيها سمك العومة بكثرة، فيكون هو زادهم في الحل والترحال».
وتتابع «عادة ما يصنع «الجاشع» بعد أن ينتشل الصيادون أسماك العومة بوساطة الشباك، حيث تفرش على رمل البحر لأسبوع أو أكثر، ويتم تقليبها من فترة لأخرى لضمان عدم فسادها، وبعد أن تجف تماماً من أي سائل، يبدأ الرجال جمعها، ويعمل النسوة اللاتي يجتمعن في بيت إحداهن على تنظيف الأسماك جيداً من التربة العالقة فيها، وإزالة الرأس والمعدة، ثم يقمن بطحنها وتنعيمها بواسطة «الرشاد» أو «المنحاز» وهو عبارة عن وعاء حديدي يستخدم في عملية طحن الحبوب والبهارات، حيث توضع الأسماك داخله ويتم دقها بقضيب من النحاس، إلى أن تتحول العومة إلى مسحوق خشن، فيضاف إليها بعض المنهكات مثل الفلفل الأبيض والملح، ثم توضع في وعاء محكم». وتلفت راشد إلى أن جودة «الجاشع» أو «السحناه» تقاس بمدى نظافته ونزع التراب عنه بشكل جيد، وكذلك بصغر حجم العومة، وكلما كانت تميل إلى اللون الفاتح كانت ألذ مذاقاً.
وتوضح «عادة ما يتناول الأهالي العومة على وجبة الغداء في الصيف، وتتكون الوجبة من الأرز الأبيض والسمن البلدي والبصل الأبيض والليمون»، مشــيرة إلى أن هــناك أمثالاً متداولة عن العومة، أشهرها أنها «مأكولة ومذمومة»، أي أنه على الرغم من حرص الأهالي على تناولها واستخدامها في صناعة «الجاشع»، إلا أنها تلقى الذم نظراً لكونها محشوة بالأشواك الصغيرة.
وتؤكد الباحثة أن هذا الطبق ما زال يحظى برغبة عند الكثيرين، وما زالت العومة تباع في بعض الأسواق الشعبية، ويكثر وجودها في الساحل الشرقي نظراً لكون النسوة ما زلن حريصات على صنع الجاشع وتشجيع الأجيال على تناولها، لما تحويه من عناصر غذائية جيدة ومفيدة لنموهم.