آداب المجالسة مع أصناف الخلق





بسم الله الرحمن الرحيم

آداب المجالسة مع أصناف الخلق

إن أردت حسن العشرة فالق صديقك وعدوك بوجه الرضا، من غير ذلة لهم، ولا هيبة منهم، وتوقير من غير كبر،

وتواضع في غير مذلة، وكن في جميع أمورك في أوسطها، فكلا طرقي قصد الأمور ذميم.

ولا تنظر في عطفيك، ولا تكثر الالتفات، ولا تقف على الجماعات، وإذا جلست فلا تستوفز، وتحفظ من تشبيك أصابعك،

والعبث بلحيتك وخاتمك، وتخليل أسنانك، وإدخال أصبعك في أنفك، وكثرة بصاقك وتنخمك، وطرد الذباب من وجهك،

وكثرة التمطي والتثاؤب في وجوه الناس، وفي الصلاة وغيرها.

وليكن مجلسك هاديًا، وحديثك منظومًا مرتبًا، واصغ إلى الكلام الحسن ممن حدثك، من غير إظهار تعجب مفرط، ولا تسأله إعادته، واسكت عن المضاحك والحكايات، ولا تحدث عن إعجابك بولدك ولا جاريتك، ولا شعرك ولا تصنيفك، وسائر ما يخصك.

ولا تتصنع تصنع المرأة في التزين، ولا تتبذل، وتوق كثرة الكحل، والإسراف في الدهن ،

ولا تلح في الحاجات، ولا تشجع أحدًا على الظلم.

ولا تعلم أهلك فضلًا عن غيرهم مقدار مالك؛ فإنهم إن رأوه قليلًا هنت عندهم، وإن كان كثيرًا لن تبلغ قط رضاهم،

وخوفهم من غير عنف، ولِن لهم من غير ضعف.

ولا تهازل أمتك ولا عبدك فيسقط وقارك ، وإذا خاصمت فتوقر وتحفظ من جهلك وتجنب عجلتك، وتفكر في حجتك،

ولا تكثر الإشارة بيدك، ولا تكثر الالتفات إلى من وراءك، ولا تجث على ركبتيك، وإذا هدأ غيظك فتكلم.

وإن قربك سلطان فكن منه على مثل حد السنان، فإن استرسل إليك فلا تأمن انقلابه عليك، وارفق به رفقك بالصبي،

وكلمه بما يشتهيه، ما لم يكن معصية، ولا يحملنك لطفه بك أن تدخل بيته وبين أهله وولده وحشمه،

وإن كنت لذلك مستحقًّا عنده، فإن سقطة الداخل بين الملك وبين أهله سقطة لا تنعش، وزلة لا تقال.

وإياك وصديق العافية؛ فإنه أعدى الأعداء، ولا تجعل مالك أكرم من عرضك.

وإذا دخلت مجلسًا فالأدب فيه البداية بالتسليم، وترك التخطي لمن سبق، والجلوس حيث اتسع، وحيث يكون أقرب إلى التواضع،

وأن تحيي بالسلام من قرب منك عند الجلوس.

ولا تجلس على قارعة الطريق، فإن جلست فأدبه: غض البصر، ونصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف، وعون الضعيف،

وإرشاد الضال، ورد السلام، وإعطاء السائل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والارتياد لموضع البزاق،

ولا تبصق في جهة القبلة، ولا عن يمينك، ولكن عن يسارك وتحت قدمك اليسرى.

فإن جالست الملوك:

فأدبه ترك الغيبة، ومجانبة الكذب، وصيانة السر، وقلة الحوائج، وتهذيب الألفاظ، والإغراب في الخطاب، والمذاكرة بأخلاق الملوك، وقلة المداعبة، وكثرة الحذر منهم- وإن ظهرت لك المودة- وأن لا تتجشأ بحضرتهم، ولا تتخلل بعد الأكل عندهم، وعلى الملك أن يحتمل كل شيء، إلا إفشاء السر، والقدح في الملك، والتعرض للحرم.

وإن جالست العامة:

فأدبه ترك الخوض في حديثهم، وقلة الإصغاء إلى أراجيفهم، والتغافل عن ما يجري من سوء ألفاظهم، وقلة اللقاء لهم مع الحاجة إليهم، وإياك أن تمازح لبيبًا أو غير لبيب؛ فإن اللبيب يحقد عليك، والسفيه يجترئ عليك؛ لأن المزاح يخرق الهيبة، ويسقط ماء الوجه، ويعقب الحقد، ويذهب بحلاوة الود، ويشين فقه الفقيه، ويجرئ السفيه، ويسقط المنزلة عند الحكيم، ويمقته المتقون، وهو يميت القلب، ويباعد عن الرب تعالى، ويكسب الغفلة، ويورث الذلة، وبه تظلم السرائر وتموت الخواطر، به تكثر العيوب، وتبين الذنوب، وقد قيل: لا يكون المزاح إلا من سخف أو بطر، ومن بلي في مجلس بمزاح أو لغط فليذكر الله عند قيامه،

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك » [أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة وصححه].

واعلم أن الإنسان إما أن يكون وحده أو مع غيره، وإذا تعذر عيش الإنسان إلا بمخالطة من هو من جنسه، لم يكن له بد من تعلم آداب المخالطة.

وكل مخالط ففي مخالطته أدب، والأدب على قدر حقه، وعلى قدر رابطته التي بها وقعت المخالطة،

والرابطة إما القرابة، وهي أخصها، أو أخوة الإسلام وهي أعمها، وينطوي في معنى الأخوة الصداقة والصحبة، وإما الجواز،

وإما صحبة السفر والمكتب والدرس، وإما الصداقة أو الأخوة.

ولكل واحد من هذه الروابط درجات، فالقرابة لها حق، ولكن حق الرحم المحرم آكد، وللمحرم حق، ولكن حق الوالدين آكد،

وكذلك حق الجار، ولكن يختلف بحسب قربه من الدار وبعده، ويظهر التفاوت عند النسبة،

حتى إن البلدي في بلاد الغربة يجري مجرى القريب في الوطن لاختصاصه بحق الجوار في البلد.

وكذلك حق المسلم يتأكد بتأكد المعرفة، وللمعارف درجات، فليس حق الذي عرف بالمشاهدة، كحق من عرف بالسماع،

بل آكد منه، والمعرفة بعد وقوعها تتأكد بالاختلاط، وكذلك الصحبة تتفاوت درجاتها،

فحق الصحبة في الدرس والمكتب آكد من حق صحبة السفر.

وكذلك الصداقة تتفاوت فإنها إذا قويت صارت أخوة، فإن ازدادت صارت محبة، فإن ازدادت صات خلة.

الكاتب : سعيد حوى رحمه الله

جزاك الله خيرا