أوروبا تعيش في عالم حالم إزاء إيران

أوروبا تعيش في عالم حالم إزاء إيران
10/4/2007

الكاتب - تشارلز تانوك

رغم انتهاء الازمة التي تسبب بها احتجاز ايران غير المشروع لخمسة عشر بحارا بريطانيا، فإنه ليس من الصعب رؤية الكيفية التي أفضت بها طريقة الاتحاد الاوروبي غير الحازمة والمتناقضة في التصرف إزاء خطف البحارة الى جعل الامور اكثر سوءا. ففي مواجهة بلد يصمم زعيمه على حيازة اسلحة نووية، شعر قادة الاتحاد الاوروبي بالارتباك خشية انتشار النار المستعرة في العراق بطريقة ما.

لقد اثبتت الازمة مرة اخرى انه لا يمكن الوثوق بالرئيس الايراني محمود احمدي نجاد؛ فبعد الكمين الذي أعده حرسه للبحارة والجنود البريطانيين، اختلفت السلطات الايرانية حول الموقع الذي كانوا يتواجدون فيه عند اختطافهم. واثبتت المملكة المتحدة في وقت لاحق انهم كانوا في المياه الاقليمية العراقية حيث يعمل البريطانيون تحت مظلة قرارات الامم المتحدة بموافقة صريحة من جانب الحكومة العراقية.

يبدو ان الرئيس احمدي نجاد كان يريد من عملية الاعتقال كسب أوراق مساومة لتأمين الافراج عن ستة ايرانيين كانوا يساعدون حركة التمرد العراقية قبل ان تلقي القوات الاميركية القبض عليهم. ولعل تردد الاتحاد الاوروبي في استخدام نفس الوتيرة العنيفة التي تستخدمها واشنطن في التحدث مع ايران قد زاد من جرأة الرئيس الايراني، حيث استشعر احمدي نجاد انقسام المجموعة الدولية فاستغل ذلك الانقسام في كل فرصة، تماماً كما فعل نظيره المنبوذ الزعيم الكوري الجنوبي كيم يونغ ايل.

ان المزج الخطر بصورة فريدة من نوعها بين إيران نووية تمتلك إمكانية التأثير على الشيعة في دول الخليج لتثويرهم على قادتهم السنة، وبين باطنية أحمدي نجاد المؤمن بالعصر الألفي، إنما تشكل أيضاً تهديدا وجوديا لاسرائيل التي كان الرئيس نجاد قد هدد بمحوها من خارطة العالم، كما وتهدد بتوليد سباق تسلح نووي في الشرق الاوسط. واذا ما نجحت ايران في حيازة صواريخ باليستية طويلة المدى، فإن التهديد الامني سيطال المعمورة بأسرها.

وفي الحقيقة، فإن المفهوم المتعارف عليه للرادع النووي من خلال التدمير المتبادل المؤكد والذي سبق أن حافظ على السلام بين الاتحاد السوفياتي وحلف الناتو قد لا ينطبق على حاكم مثل احمدي نجاد الذي يؤمن بالجوائز المقدسة للشهادة. وببساطة فإن مبدأ التدمير المتبادل المؤكد لا يسري على رجل يهتدي بهدي يقين عودة المهدي. اما اولئك الذين يؤمنون بأن احمدي نجاد مخادع ومهرج ينسحب عند الوصول الى شفير الهاوية، فإنهم ربما كانوا يسيئون وبشكل جوهري قراءة نفسيته.

لقد فات الوقت على قادة اوروبا ليفهموا حقيقة الحالة. وفي الاثناء، لا يمكن اسقاط احتمال توجيه ضربة عسكرية لبرنامج الاسلحة النووية الايراني من الحساب كلية بالرغم من ان هذه الضربة يجب ان تكون بالطبع الخيار الاخير، والتي ستكون خطيرة بشكل كبير في حال كانت ممكنة من الناحية العسكرية. ومع ذلك، فإن ثمة الكثير مما يستطيع زعماء الاتحاد الاوروبي فعله لإضعاف نظام إيران اقتصادياً.

إن أهمية الاتجار مع الاتحاد الاوروبي هي أمر بالغ الأهمية بالنسبة لإيران، اذ تصدر دول الاتحاد إلى إيران ما نسبته 40% من وارداتها، كما وتستورد منها ما نسبته ربع الصادرات الايرانية. وتعتبر الروابط الاقتصادية بين أوروبا ودول الاتحاد قوية تاريخياً ومتنامية. ويعتمد حوالي ثلثي الصناعة الايرانية، والتي يخضع معظمها لسيطرة الدولة، على الصادرات الهندسية الالمانية، وكان ما نسبته 65% قد جاء عام 2005 عبر اعتماد ضمانات ائتمانية من طرف الحكومة الالمانية.

وبشكل مماثل، قدم بنك الاستثمار الاوروبي مبلغ بليون دولار لتمويل انشاء خط الانابيب النفطية - تابوكو - الذي يمتد من ايران الى النمسا. واذا ما استكمل بناء هذا الخط، فإنه سيجعل من ايران شريك طاقة لاوروبا لا يمكن الاستغناء عنه.

بوصفه أحد أذرع الاتحاد الاوروبي، فإنه يترتب على بنك الاستثمار الاوروبي ان ينتهج سياسة استثمار اخلاقية. وهو امر من الصعب أن ينسجم مع إقراض بلد مثل ايران التي تقوم بإعدام الناس علانية بسبب ما تقول انه انحراف جنسي، وتسجن النساء اللواتي يقمن بالاحتجاج سلميا وتسكت الصحافيين الذين ينتقدون النظام.

يحتاج الاتحاد الاوروبي إلى إبلاغ ايران بأنها ما لم تعدل عن طموحاتها النووية، فإنها لن تتلقى اي ضمانات تصدير. وسيكون من شأن مثل هذه السياسة أن توقف التجارة بين ايران والاتحاد الاوروبي في أعقابها، وهو ما يدركه أحمدي نجاد.

ثمة امارات استياء موجودة فعلاً في أوساط صناع السياسة الايرانيين الاكثر اعتدالا مع بدء سوء الادارة الاقتصادية التي يمارسها أحمدي نجاد في صب الوقود على نار البطالة المرتفعة. وسيضع اي خفض في ضمانات الصادرات الاقتصاد الايراني واحمدي نجاد في ورطة فعلية. والى ذلك، يمكن لشركات الافراد التي تعي العقوبات الاميركية المفروضة على اولئك الذين يجرون نشاطات تجارية مع النظام ان تساعد ايضا. فعلى سبيل المثال، انسحبت شركة بريتيش بتروليوم لحسن حظها من ايران لدوافع اخلاقية، في مثال ينبغي على الشركات الاوروبية الاخرى ان تحذو حذوه.

إن ازدراء الحكومة الايرانية للمجتمع الدولي يعكس امتهانها للحقوق الانسانية والمعايير المدنية. لكن تعطش الايرانيين للتغيير واضح جلي. فرغم القمع، يظل المجتمع الايراني متطوراً ومتقدماً بصورة جيدة. وبالإضافة إلى ذلك، هبطت شعبية ادارة احمدي نجاد كما تدلل على ذلك نتائج الانتخابات المحلية الاخيرة.

يحتاج القادة السياسيون الاوروبيون الى معرفة ان الوقت قد حان الآن لاحداث التغيير في ايران عبر تعليق ضمانات ائتمان الصادرات ووقف تمويل بنك الاستثمار الاوروبي والتحدث بصوت واحد. في وقت يعمل فيه التغاضي عن المشكلة وطرحها جانباً إلى تفاقمها بدل حلها.