إن الجمال ليس صفة مادية في الأشياء، بل له معنى روحي أيضا

إن الجمال ليس صفة مادية في الأشياء، بل له معنى روحي أيضا. إن الفنان عندما يصور منظرا من مناظر الطبيعة على لوحته، ليست لوحته حاملة لصورة مادية فحسب بل تحمل أيضا أحاسيسه وانفعالاته وخلجات نفسه. كذلك الأشياء التي نراها ونلمسها في الطبيعة؛ فيها روح وحياة.

إن ما في الطبيعة من جمال في الشكل وإبداع في اللون وتسوية في الخلق وإتقان في الصنع وميزان في الأشياء وخصوبة في العدد؛ كل ذلك يثير حواسنا كي يجعل منها قنوات يبث خلالها رسائله إلى الروح.

ثم هي تعطي كل روح بقـَدرها من النور والجمال؛ وإنما هي الفطرة المغروسة بداخلنا التي معدنها النور ومركبها الفضيلة، التي تتحرك مع تلك المشاهد وتلك العبر.

إن الطبيعة فيها من الخصوبة والغنى بحيث أمدت الإنسان بما جعله مادة للباسه وزينته وحليته، وأغدقت عليه ما لا حصر له من أنواع الغداء الذي يحفظ له صحته ورواءه، ومن الدواء ما يسترجع به ما قد يفقده منهما.

وليس غناها فيما تسديه لنا من حاجيات بدننا فحسب؛ إنها تسدي لنا تعاليم روحية أيضا بما تنطق به صورها ومناظرها من آيات جمالية وروحية.

إنها منبع من منابع الحكمة ومدرسة حية نتلقى فيها التربية الجمالية والخلقية. إن فيها من السمو والتعالي، والتألق والتأنق ما يدعونا إلى التسامي بروحنا وعقلنا، والتأنق في هيئتنا وسيرتنا.

إنها تدعو الفنان الذي يسكن بداخل كل واحد منا لأن يبدع ويتفنن في ذاته ومع ذاته. وإنها المعلـّم الذي يصحح أخطاءنا ويسوّي اعوجاجنا ويصوّب انحرافنا عن الطبيعة الصحيحة والفطرة السليمة.

إنها معرض للفنون الجميلة مدعوة إليه جميع الناس، لا الخاصة منهم فقط من أهل الفن والمتذوقين له؛ تدعو كل ذي عين ناظرة وقلب متفتح يقظ لأن يتأمل في مناظرها ويستقرئ خطاباتها.

إن النبتة فيها والزهرة والشجرة والثمرة قد حملها البارىء جل وعلا رسائل إلى الخلق قد يقرؤها العالم قراءة علمية والفنان قراءة فنية وهي فوق ذلك تحمل معاني فلسفية وروحية. فإن كانت تحمل في سجلها خصائص منبتها ومنشئها وصفاتها من شكل ولون، ففيها أيضا حكما ودروسا هي الأحرى باستجاشة النفوس وتحريك الأذهان!

إن ابتعاد الإنسان عن الطبيعة جعله يبتعد عن سجيته، ودخوله في غمرة الحياة قد عقد تفكيره، وتشابك العلاقات الإنسانية قد سلبه هدوء البال وراحة النفس التي كان يجدها في كنف عائلته وبين أصدقائه ضمن إطار ضيق وهادئ.

لقد غلبت عليه الحياة المادية وأخضعته لاحتياجات بدنه التي لا تنتهي، حتى ما عاد ينتبه إلى إشراقة الشمس التي قد اعتاد على شروقها، ولا يغريه جمال الزهور بالنظر إليها وملامستها، ولا يشد سمعه صوت الطيور وترنمها!

إن الإحساس بالجمال إحساس علويّ سام، لا يكاد يستشعره المرء حتى يشعر بارتقاء في نفسه وتجرد عن عالم المادة الذي كان يقيّد حريته، ويُلجم أفكاره وأحاسيسه.

فإن كانت الحياة قد تغيرت بفعل تغير أنظمة الحياة الإنسانية فحقيـق بالإنســان -أكثر من ذي قبل- أن يعود إلى الطبيعة بين الفينة والفينة ليسترجع عفويته وطبيعته، وينزع عنه ثوب البهرجة والزيف الذي ألبسته إياه المدنية الحديثة.

وإذا ضاقت عليه نفسه يوما وأحس أن قد أضاعها بين أوراقه وحساباته فربما وجدها إن هو سلك طريقا نحو الطبيعة الرحبة حيث النور والضياء، والخضرة والماء!

هناك، فليطلق العنان لروحه تسافر في أرجاء الكون وتجول في كل مكان لتعود إليه بالخطب والرسائل كما يعود السائح بالصور التذكارية والرموز الثقافية للبلد التي كان يزورها!

وبعفوية الطفل، فليتركها تطير مع الطير وتغرد معه، وتسبح مع السمك وتراقصه، وتعدو مع الغزال وتسابقه، وتبتسم للفراش وتلاحقه، وتعلو مع الشجر وترقى فيه، وتغازل الزهر وتنافسه في جماله.

والطبيعة تأخذ منا الأحاسيس والمشاعر، وتعطينا الدروس والعبر. وبقدر سعة أحاسيسنا وعمقها تكون سعة الدروس التي تلقيها علينا الطبيعة وعمقها.

إننا وسط ذلك التناسق الجميل والنظام الخارق والاستواء المعجب والتنوع الخلاق لابد أن نحس انسجاما بيننا وبينها، فإذا أحسسنا بالاضطراب فلنسارع إلى تسوية نفوسنا وإعادة النظر في أحاسيسنا وأفكارنا.

فإذا نظرنا إلى صفاء مياهها فلنجعل مثله في نفوسنا صفاء سريرة ونقاوة صدر.

وإذا نظرنا إلى سعة سمائها فليتسع ما بداخلنا بالحب لجميع الناس والرحمة لهم.

وإذا نظرنا إلى سخاء أرضها بما تخرجه من حب ونبات وشجر وثمر، وورد زاهر مؤنق، فلنكن مثلها كرما وسخاء بما نمد به غيرنا من أسباب المعونة والعطاء.

ولا يجوز لنا أن نتعلل بصعوبة الحياة وقساوة الظروف؛ فثمة من الأزهار ما يخرج من بين أكوام الثلج ومنها ما ينبت وسط الصخور، لم تمنعها قسوة الوسط الذي تحيا فيه من أن تتفتح بالحياة والأمل والجمال الأخاذ!

ولأن الطبيعة جميلة في كل وقت لا تفتقد صبغتها الجمالية مهما تغير الطقس وتداولت عليها الفصول، كذلك لابد للإنسان أن يحرص على ألا تفقده الظروف القاسية من حوله وتنتزع منه ما بداخله من طيبة وخير وجمال.

يجب أن نحفظ ولو قدرا يسيرا من الجمال في نفوسنا؛ نزيد عليه ولا ننقص من أسباب الزينة النفسية والعقلية والخلقية من علم وثقافة، وحسن مجالسة، ومن أعمال البر والخير. فما من أمر من هذه الأمور قليلها أو كثيرها إلا ويضفي على النفس جمالا وبهاء.

قد يضعف فينا العزم عن تجميل نفوسنا مرة أو مرات لعارض يعترض حياتنا. لابد حينئذ أن نلجأ إلى الطبيعة لنرى رواءها الدائم ونضارتها التي لا تستحيل في فصل من الفصول إلا لتعود بعده أكثر سحرا وجاذبية.

إن الثوب يعود ناضرا بهيا بعدما شحب لونه من تراكم الأوساخ عليه، بمجرد أن يغسل بالماء. وإن الأدوات التي نسترجع بها جمالنا الباطن أقل كلفة من تلك التي نصنع بها جمال ظاهرنا. فتوبة من فعل قبيح وصدقة نغالب بها جشع النفس وابتسامة في وجه محزون تكفي لأن تنشر في أرجاء الروح الصفاء والبهاء.

إن بهجة الشباب لابد أن تزول مهما سعى إليه الإنسان من تخضيب لشعره الأبيض، أو محاولة لتأخير ظهور التجاعيد في وجهه بالمراهم والأدوية.

لكن ما ليس يصيبه الشيب هي الروح التي تسكن داخله إذا ما تعهدها بأسباب الزينة الروحية والنفسية. ولا يزال يتقدم به السن ليبلغ به أرذل العمر، وروحه لا تزداد إلا ازدهارا وعقله نورا؛ فإذا انحنى على أحفاده الصغار يروي لهم الحكايا ويعلمهم مما علمته الحياة، كان كل غضن من غضونه ينطوي على درس وحكمة!

إن الاستحضار الدائم لصور الجمال يعلي في النفس معاني الجمال الروحي ويربي فينا الذوق والشعور. فإذا ألفنا النظر إلى ما هو جميل لابد أن تشمئز نفوسنا وتنفر أشد النفور من قبيح الأشياء والصور.

وقدر ما نتمرن على الاستحسان وتقصي الجمال في الأشياء، سوف يكسبنا ذلك ترفعا على سفاسف الأمور، وتنزها بالسمع والبصر عن كل ماهو فاحش قبيح من قول أو عمل.