اعترافات رجل يحترم النساء

هل الرجل مجرد قطعة من قطع الأدوات الاحتياطية في السيارة، مثل العجلة الإضافية التي نحفظها في الصندوق الخلفي، ونلجأ إليها عندما تصاب إحدى العجلات الأربع بثقب؟ من يسمع فائزة سيخطر هذا السؤال على باله بالتأكيد· فهذه الشابة المثقفة والحلوة وبنت الأوادم لا تخجل من التصريح بأنها قد وضعت تحت يدها عريسين على سببيل الاحتياط، لكنها لن تبت في أمرهما إلاّ إذا خانها الحظ ولم تظفر بعريس ثالث تتوافر فيه الشروط التي تحلم بها·


بم تحلم فائزة؟ إن من تقدم لها لا يشكو نقصاً· شهادة عالية وشقة جاهزة ومظهر لطيف، لكنها تريد، ولا تتحرج من التصريح بهذا، زوجاً تحسدها عليه كل صديقاتها·

وأظن أن مقياساً كهذا لا يصلح لتقويم الرجال، ولكنه منطق معارض السيارات· وقد كدت أقع ضحية مزاد فائزة لولا أنني تداركت أمري في آخر لحظة، وانسحبت من المزايدة· نجوت من مصير إطار سيارة مركون في الصندوق الخلفي، لعل الآنسة الجميلة تحتاج إليه إذا انزنقت·

بصراحة، لم أكن أفهم أو أُصدق أن فتاة بمثل صفاتها بقيت من دون زواج حتى انقلبت فوق الثلاثين· قلت لنفسي إن القدر قد حفظها لي فهذه هو السن المناسبة، وهذه هي المرأة التي سأحطم عند قدميها تمثال عزوبيتي· إنها في منتهى اللطف، ذكية وناجحة في عملها وصاحبة نكتة وتتعامل مع الآخرين من دون عقد أو أفكار جاهزة· وأهم ما فيها أنها لم تضرب نفسها في مئة ولا في عشرة· بسيطة وودودة مع الناس·

ما كان يدريني بأن اللطف هو الشخص الذي يستدرج الأسماك، وأن الذكاء مكرس للحسابات التافهة، وأن النجاح في العمل تم بواسطة التسلق على أكتاف الزملاء المبهورين بها، وأن النكتة هي تلك التي تجعلها تضحك في آخر النهار من الضحايا السذج الذين انقادوا لها ووقعوا في شباك لطفها وابتسامتها؟

ولأنني لست سمكة، لا سردينة ولا هامورة، فقد حدت عن فوهة الشبكة وذهبت إلى مياه حريتي، حيث لا شص ولا قنص ولا فخاخ ولاحوريات خداعات من بنات الأوهام· ولكي أكون منصفاً أقول إن فائزة لم تبذل كثيرجهد في محاولة اصطيادي، ولعلها لم تجد في تلك المواصفات الخلابة التي تباهي بها صاحباتها· بم تتباهى؟ بأنها زوجة كاتب يعيش من القلم ويأكل منه وتتعثر حياته إذا ضاق به رئيس التحرير؟ أم أنها ستبز قريباتها بأنني مثقف ولي مكتبة تملأ ثلاث حجرات وأن جفني لا يغمض قبل التهام رواية وديواني شعر؟ هل هذه صفات عريس من زمن العولمة والفضائيات والآي بود؟ وقل لي ما هو الآي بود، أطال الله في عمرك، لأقل لك من أنت·

أعرف أن رجلاً في مثل طولي وعرضي سيتحرج من تقديم كل هذه الاعترافات والقيام بهذا النقد الذاتي، في معرض الكلام عن فائزة· فائزة أو سكينة أو سعاد أو كائنة من كانت· لكني شديد الثقة بتفهم قرائي، وبالأخص بحنان قارئاتي اللواتي يبعثن لي برسائل تقطر عسلاً· وها نحن نترافق ونتكاشف على هذه الصفحة البيضاء منذ كذا سنة، فهل أخفي عنكم قصة مثل هذه وقد احتملتم مني في السابق اعترافات أقسى وأخطر؟

ولأنها لم تتعب نفسها في اصطيادي فقد قررت أن تأنس إلى خبرتي في الكتابة والحياة وتستشيرني في شأن زواجها· وهي التي قالت لي، من دون أن يرمش لها جفن، إن فلانا وفلانا مازالا ينتظران منها جواباً، على الرغم من تدللها وتأخرها واصطناع حيرتها، وهي لا تريد أن تحسم الأمر وتترك السمكتين في حال سبيلهما، بل تحتفظ بهما في الفريزر، على سبيل الاحتياط، فمن يدري؟ قد لا تجد من هو أفضل في الساحة، أقصد في سوق السمك· والتعبير الأخير من عندي لا من فائزة، لا فضّ فوها· فجأة سقطت هالة الجمال واللطف والروح السمحة عنها، وهي تصارحني بهذه الأفكار والتخطيطات والحسابات السوقية· إن التي أمامي امرأة بليدة لا تحترم الرجال ولا عموم البشر، فكيف كنت أفكر، أنا الرجل الذي يحترم النساء وكل عباد الله، كيف كنت أفكر بأنها يمكن أن تصلح لي وأنني عثرت على ضالتي؟

ولا أدري ما الذي دفعني، بعد هذا الحديث معها، إلى التفكير في النساء اللواتي استلطفتهن، في السابق، أو تقربن مني وتوددن إليّ· وها أنا أقر وأبصم بالقلم، أو بنقرة الحاسوب بالأحرى، أن كل واحدة منهن تصلح لأن تكون تاجاً على رأس فائزة، على الرغم من أنهن لا يملكن شخصيتها ولا نجاحها ولا حيثياتها العائلية الأُخرى·

تعال يا تمثال عزوبيتي وعد إلى مكانك على الطاولة المجاورة للفراش، ولا تزاحم كتبي ومجلاتي، من فضلك، لأنني أُحب هذا الورق المتكدس في كل مكان ولا أعرف لحياتي لذة من دونه· وسامحني لأنني أوشكت أن أرمي بك تحت قدمين مهزوزتين، والأتعس من هذا أنني رضيت بالهم، للوهلة الأولى، لكن الهم لم يرض بي·



آخر الكلام



من كان منكم بلا هفوة فليرم بسطاء القلب بحجر·

من لم يجرب منكم شعور الانكماش فليحد عن طريقي·

من استسلم منكم للحظة ضعف فذاك صديقي·

لكن من ارتضى منكم أن يكون مجرد سمكة في مجمدة فلا أعرفه ولا أعرف كيف أنتشله من ورطته وأنقله إلى أقرب فرن مايكرويف·

رجل