التنشئة الاجتماعية ذات بعدين «المجتمع والطفل»

مقولة: التنشئة الاجتماعية ذات بعدين «المجتمع والطفل»
د. سليمان بن عبد اللّه العقيل
يمكن توضيح مدى فاعلية هذه المقولة بالنظر إلى أهمية التنشئة الأولى وما يرتبط بها من مدخلات تربوية وخبرات وتجارب حياة الطفل «الفرد» كبعد أول في عملية التنشئة الاجتماعية، ولكن طبيعة العلاقات الاجتماعية مع الأم والآخرين تعتبر أكثر أهمية لأنها تؤثر على الصورة التي يأخذها الطفل عن نفسه، ويدل على ذلك أن الأم تنهض بكل احتياجات الطفل وتسهر على رعايته، لذلك فإن خبرات التنشئة الاجتماعية للأطفال «الأفراد» تتضمن أيضا تفاعلا مع الأعضاء الآخرين في الأسرة النووية «الصغيرة»، وكذلك في الأسرة الممتدة «الكبيرة»، وغني عن البيان أن عملية التنشئة الاجتماعية تأخذ وقتاً طويلا حتى تتضح معالم تلك الخبرات والتجارب والمدخلات التربوية والتعليمية لتشكل شخصية «الفرد» الطفل الاجتماعية، لأنه عند ولادته لا اجتماعيا، لكنه عن طريق التفاعل مع الآخرين والبيئة من حوله تنمو اللغة وتتكون المعاني وتبدأ الذات الاجتماعية في الظهور. وفي هذه الحالة يمكن للأشخاص القائمين على التربية والتوجيه سواء كان ذلك في الأسرة أو المجتمع المحلي أو المجتمع العام أو المجتمعات الخارجية أو الوسائط التربوية أو التخريبية أن تقوم بدور «موصل» النزعة الاجتماعية أو العدوانية أو غيرها. إذاً فالتنشئة الاجتماعية والسلوك «السلبي أو الإيجابي» الذي يعد تعبيرا عن عملياتها يعتمد على الدوافع والحاجات والعمليات اللاشعورية والخصائص العنصرية والبيولوجية ويعتمد أكثر على العمليات التفاعلية بينها وبين المحيط «الاجتماعي والطبيعي» وعلى المعاني المستمدة للذات من المحيط الاجتماعي والتفسير المفهوم للتراث الديني والشعبي والتاريخي. ومما يزيد من فاعلية هذه المقولة، الشروط التي وضعها بعض المهتمين بالتنشئة الاجتماعية والتربية الأسرية والمجتمعية، والتي يرى أن توفرها أساس للتوصل إلى تنشئة اجتماعية ملائمة وصحة نفسية للمجتمع وللأجيال القادمة من أبناء المجتمع كما أن فيها تأثيراً على قوة العلاقة بين كلٍ من البعدين الطفل والمجتمع على حد سواء وهذه الشروط كالتالي:
1 الشرط الأول: الصفحة البيضاء، لأن الطفل حينما يولد فإنه يدخل لمجتمع موجود بالفعل. هذا المجتمع «أي مجتمع» له تصوره الديني المحدد، وقواعده ومعاييره وقيمه واتجاهاته، وبه بناءات اجتماعية عديدة منتظمة، ومع ذلك تتعرض كل تلك المجهودات للتغير النسبي باستمرار. غير أن الطفل الوليد لن يكون مهيأً اجتماعياً أو أنه ليس لديه علم بالعمليات السابقة الذكر أو البناءات أو التغيرات. وتكون وظيفة أنماط التفكير والشعور والعمل في مثل هذا المجتمع «التنشئة الاجتماعية» تحديد الوسائل والطرق التي يجب أن يمر بها «الوليد الجديد».
2 الشرط الثاني: هو الميراث البيولوجي، الذي يسمح لعمليات التعلم بالحدوث. وذلك أن العقل والجهاز الهضمي، والقلب النابض كلها متطلبات أساسية وضرورية من أجل التنشئة الاجتماعية ويجب أن يكون واضحا أنه على الرغم من أهمية الميراث البيولوجي في عمليات التعلم وضرورته، إلا أنه لا يشكل جانباً جوهرياً في عملية التنشئة الاجتماعية المتكاملة ذلك لأنه من المعروف أن هناك احتياجات معينة مثل الشراب والنوم تكون أساسية من أجل البقاء، ويمكن إشباعها بطرق مختلفة، كما أن المزاح والذكاء بيولوجي في أساسه، إلا أن نموهما وتطورهما واتجاههما يتأثران إلى حد كبير بالمجتمع الذي يولد فيه الطفل.
3 أما الشرط الثالث: الطبيعة الإنسانية، وهو شرط المتكاملة الأبعاد للتنشئة الاجتماعية وهي هنا تشير إلى عوامل معينة تمايز البشر. أي أنها تميز البشر في حالة مقارنتهم بالحيوانات الأخرى. ويرى مدخل التفاعل الرمزي أن الطبيعة الإنسانية تتضمن المقدرة على القيام بدور الآخرين، وكذلك المقدرة على الشعور مثلهم، أو عموماً المقدرة على التعامل بالرموز، هذا يعني إعطاء المعنى للأفكار المجردة، ومعرفة الكلمات والأصوات والإيماءات، فالغمز بالعين مثلا والمصافحة باليد، والإيماء بالرأس كل هذه أشياء يكون لها معنى تبعا لمقدرة الفرد على فهم ما ترمز إليه وبصفة عامة نستطيع أن نقول إن هذه الأشياء طبيعة، وينفرد بها البشر دون غيرهم من المخلوقات.
ومما سبق نستطيع القول أن عملية التنشئة الاجتماعية التي تسند إلى الطفل «الفرد» بمكوناته البيولوجية بطبيعته الإنسانية كبعد أساس لعملية التنشئة، ومن ثم تقليد الوالدين ودور تأثير رفاق السن من أبناء الجيرة وزملاء المدرسة إلى الخضوع المدرسي وانتهاء بتأثير وسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المختلفة كبعد ثان هام وضروري لتفعيل العلاقة بين البعدين السالفي الذكر للوصول إلى تنشئة اجتماعية ملائمة وبطريقة جيدة وبصورة فعالة لما فيه صلاح الفرد والمجتمع .