الجنس ما يجب وما لا يجب

الجنس : حيوانية وقذارة
يقول الكاتب الإسلامي المعروف سيد قطب في كتابه معالم في الطريق:
إن خط التقدم الإنساني يسير في اتجاه الضبط للنزوات الحيوانية ، وحصرها في نطاق الأسرة على أساس الواجب لتؤدى بذلك وظيفة إنسانية ليست اللذة غايتها ، وإنما هي إعداد جيل إنساني يخلف الجيل الحاضر في ميراث الحضارة الإنسانية التي يميزها بروز الخصائص الإنسانية . . ولا يمكن إعداد جيل يترقى في خصائص الإنسان ، ويبتعد عن خصائص الحيوان ، إلا في محضن أسرة محوطة بضمانات الأمن والاستقرار العاطفي ، وقائمة على أساس الواجب الذي لا يتأرجح مع الانفعالات الطارئة . وفي المجتمع الذي ينشئ تلك التوجيهات والإيحاءات الخبيثة المسمومة ، والذي ينحسر فيه المفهوم الأخلاقي ، فيتخلى عن كل آداب الجنس ، لا يمكن أن يقوم ذلك المحضن الإنساني. .
في تلك الفقرة يتضح لنا نموذج للرؤية المعاصرة للجنس عند أحد أهم المفكرين الإسلاميين المعاصرين ، وبرغم أنه ليس ممثلا للثقافة الدينية الرسمية إلا أنه يمثل سلطة مرجعية هامة لكثير من المفكرين المسلمين الرئيسيين ، وليس فقط للمتشددين ، والحركات المسلحة كما هو شائع ، فكتبه من أكثر الكتب مبيعا حتى الآن ، وقد تأثر بأفكاره العديد من كبار الرموز الفكرية الإسلامية مثل الشيخ القرضاوي ، و الدكتور حسن حنفي ، و محمد عمارة ، وفهمي هويدي وغيرهم ، وفكر سيد قطب يحتاج إلى دراسة مستقلة لبحثه بشكل كامل ، ولكن القارئ لهذه الفقرة يلاحظ كيف يرى قطب الجنس باعتباره نشاطا حيوانيا ذميما يتوجب على التطور الإنساني أن يضبطه لكي يصبح وظيفة لا تهدف إلى اللذة ، ونلاحظ كيف يفرق قطب بين ما يسميه النزوات الحيوانية ، والخصائص الإنسانية ، فالشهوة هي محرك الحيوان الأول ، بينما الإنسانية تعتمد الجنس وسيلة لخلق جيل جديد ، والواقع أن هذه التفرقة محض خيال ، وليست أقل في وهمها من تصور أن هناك خط واضح للتقدم الإنساني باتجاه ما، هذه النزعة التاريخانية التي اقتبسها قطب من المناهج الشيوعية ، وإن عدلها وطورها ، ليجعل الإسلام غاية التطور التاريخي لا الشيوعية ، والواقع أن تأثر قطب بالماركسية شديد جدا رغم هجومه الشديد على ماركس ، و التفسير المادي للتاريخ وخلافه ، وهذا جزء من التناقض الشديد في مشروع قطب الذي يستحضر ماركس على قدر ما يهاجمه ، ولكن قطب الذي لم يتزوج أبدا ، ولم يعقب رغم أنه أعدم ظلما وهو في الستين من عمره ينسى أن الأسرة نموذج شائع في العديد من الأنواع الحيوانية المعروفة، فالقطيع الذي ينتشر فيه الجنس الحر ليس هو النموذج الوحيد للجنس عند الحيوان ، بل إن أنواعا مختلفة من السباع ، والطيور ، والأسماك تعرف أنواعا من الأسر التي يتعاون فبها الأبوان في رعاية الأبناء ، كذا فإن نوع الغوريلا يعرف نمطا من الأسر الهارونية{نسبة إلى هارون الرشيد} حيث يكون للذكر فيها حريم من عدد كبير من الإناث ، و التكاثر هو الهدف النهائي للجنس في جميع الأحياء :الإنسان و الحيوان والنبات ، واللذة هي وسيلة الحياة لدفع الأحياء نحو هذا الهدف لا خلاف في ذلك بين إنسان وحيوان ، كما ينسى قطب والذي تصدى لتفسير القرآن أن القرآن لم يستنكر اللذة كمحرك للجنس بين البشر فقال فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ، بل قال إن البنين الذين يجعلهم قطب المحرك الكريم للجنس البشري هم كذلك شهوة من الشهوات مثل اللذة تماما يقول تعالى زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ، كما يساوي القرآن بين زواج البشر والحيوان في الغاية والوسيلة فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه، وقد تزوج الرسول{ص} نساء لم ينجب منهن ، و كانت عائشة أحب نسائه إليه بعد خديجة عاقرا ، فلم يكن زواج النبي {ص} إذن من أجل إعداد جيل إنساني يخلف القائد الحاضر، وقد أباح النبي {ص} فيما روي عنه الممارسة الجنسية غير الكاملة بين الأزواج حين سئل عن ما يحل للرجل من امرأته الحائض ، وهي ممارسة لا تهدف إلى إنتاج أجيال جديدة، فالإسلام إذن على عكس ما يزعم قطب لا يشمئز من اللذة الجنسية ، ولا يتحرج من أن تكون المحرك الأول للجنس ، وهو يدعو الإنسان المسلم لأن يقدر ضرورة الاستقرار الأسري ، فيحض على عدم الطلاق ، ويجعل الفراق بين المرء وزوجه شرا من أعمال السحرة ، ويدعو الرجل لأن يرى الجانب المضيء في زوجته فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيراوقد روي عن الرسول{ص} قول إن أبغض الحلال عند الله الطلاق ، ولكن إذا استحالت العشرة بسبب أو آخر حتى لو كان بسبب العجز عن تحقيق الإشباع الجنسي، أو إذا بردت العلاقة أو تبدلت القلوب، فالطلاق ، أو الخلع هو الحل وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ، فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليكم فيما افتدت به ، ليس معنى ذلك أن الإسلام يشجع الطلاق ، ولكنه يجعل لكل فرد الخيار في أن يقارن بين رغباته ، وبين التزاماته الاجتماعية دون تدخل ، وربما كان القدماء هم الأقرب من فهم هدف الزواج في الإسلام حين جعلوه إحصانا للمسلم والمسلمة ، وطلبا للولد ، والفقهاء يقضون بطلاق المرأة إذا كان زوجها غير قادر على إشباعها{وإحصانها بالتالي} ، أما الأبناء فقد شرع القرآن ما يكفي لتوفير الرعاية لهم حتى في حال انهيار الأسرة، إن الزواج في الإسلام هو مؤسسة لممارسة الحرية الجنسية ، وليس مؤسسة لتضييقها كما زعم قطب {وسوف نناقش قضايا الأسرة في الإسلام لاحقا}، غير أن قطب يحمل الإسلام وزر نفوره المرضي من الجنس ، ذلك النفور الذي يجعله يعتبر تقييد النشاط الجنسي هو العلامة الرئيسة على تحضر المجتمعات ورقيها، فهو القيمة الرئيسية التي تتضاءل بجوارها كل قيمة ، أما الحرية الجنسية فهي الرزيلة التي لا تقلل من فظاعتها أية فضيلة، يقول قطب في فقرة أخرى من نفس الكتاب:

وقضية الأسرة والعلاقات بين الجنسين قضية حاسمة في تحديد صفة المجتمع . . متخلف أم متحضر ، جاهلي أم إسلامي ! . . والمجتمعات التي تسود فيها القيم والأخلاق والنزعات الحيوانية في هذه العلاقة لا يمكن أن تكون مجتمعات متحضرة ، مهما تبلغ من التفوق الصناعي والاقتصادي والعلمي ! إن هذا المقياس لا يخطئ في قياس مدى التقدم الإنساني. .
وفي المجتمعات الجاهلية الحديثة ينحسر المفهوم الأخلاقي ؛ بحيث يتخلى عن كل ما له علاقة بالتميز الإنساني عن الطابع الحيواني ! ففي هذه المجتمعات لا تعتبر العلاقات الجنسية غير الشرعية - ولا حتى العلاقات الجنسية الشاذة - رذيلة أخلاقية . . إن المفهوم الأخلاقي يكاد ينحصر في المعاملات الاقتصادية - والسياسية أحياناً في حدود مصلحة الدولة - ففضيحة كريستين كيلر و بروفيمو الوزير الإنجليزي - مثلاً - لم تكن في عرف المجتمع الإنجليزي فضيحة بسبب جانبها الجنسي . . إنما كانت فضيحة لأن كريستين كيلر كانت صديقة كذلك للملحق البحري الروسي . ومن هنا يكون هناك خطر على أسرار الدولة في علاقة الوزير بهذه الفتاة ! وكذلك لأنه افتضح كذبه على البرلمان الإنجليزي ! {علامات التعجب من لدن سيد قطب}
فلا ينبغي أن نعجب إذن حين نرى الجماهير المتدينة تخرج في مظاهرات احتجاجا على نشر كتاب ما به بعض المفردات الجنسية، بينما يصابوا بالخرس عندما لا تفعل الحكومة شيئا لمنع بعض رجال الأعمال من سرقة أموال المودعين ، والعبث بمصالح الدولة والشعب طالما أن الشهيد سيد قطب منظر الثورة الأول في الفكر الإسلامي يرى أن العبث بأسرار الدولة ، و الكذب على ممثلي الشعب شيء تافه من صغائر الأمور أمام كبيرة العلاقة الجنسية المتحررة.
والواقع أن سيد قطب يمثل النموذج الأبرز في اتجاه أصبح يسيطر على الفكر الديني في القرن الأخير ، فهو ليس مبدع هذه الرؤية للجنس في ثقافتنا العربية الإسلامية ، ولكنه الرجل الذي نظر فكرة دنس الجنس كما لم يفعل أي سابق له ، إن هذا الاحتقار للجنس يمكن تتبعه منذ بداية القرن العشرين عندما صودرت أول طبعة من درة تاج الإبداع العربي ألف ليلة وليلة لاحتوائها على ألفاظ و أوصاف جنسية رغم أن هذا العمل الأدبي كان يروى لقرون في جميع المجالس العامة في مختلف بلدان المشرق العربي دون أن يسبب استياء للجماهير المتدينة التي تسمعه، والواقع أن الجنس كان مكونا أساسيا في بنية معظم التراث الشعبي العربي ، حيث تذكر الأعضاء ، و الأوضاع بصراحة شديدة ، وهو ما يعكس ثقافة شعبية متسامحة تجاه الجنس ، و أكثر تقديرا لإبداع الفنان الشعبي من معظم الجماهير حاليا رغم أمية الغالبية الكاسحة في تلك الأزمان مما يبرز ضرورة التمييز بين درجة الوعي ، و القدرة على القراءة والكتابة ، و كما كان الفكر الديني متسامحا مع الجنس في الأدب الشعبي كان كذلك مع الأدب المدون من عمر بن أبي ربيعة إلى أبي نواس وغيرهم ، فرغم ما يرويه الأصفهاني من أن أحد الحاضرين بمجلس ابن عباس قد هاجم ابن أبي ربيعة حين أنشأ يقول من رائيته الشهيرة أمن آل نعم:
رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت فيضحى أما بالعشي فيخصر
فعقب قائلا : رأت رجلا أما إذا عارضت فيخزى وأما بالعشي فيخسر
إلا أن الرواية تكمل قائلة أن ابن عباس قد أثنى على القصيدة قائلا: ما زال هذا الفتى يهذي حتى قال الشعر، والرواية إن صحت فهي دليل قوي لتقدير الإبداع الأدبي بتحرره في وصف المشاعر والرغبات البشرية من قبل مرجعية دينية أساسية مثل ابن عباس الذي أعجبنه{حسب الرواية} قصيدة تقول ضمن أبياتها:
فقالت وقد لانت و أفرخ روعها كلاك بحفظ ربك المتكبر
فأنت أبا الخطاب غير مدافع علي أمير ما مكثت مؤمر
فبت قرير العين أعطيت حاجتي أقبل فاها في الخلاء فأكثر
يمج ذكي المسك منها مقبل نقي الثنايا ذو غروب مؤشر
تراه له إذا ما افتر عنه كأنه حصى برد أو أقحوان منور
وترنو بعينيها إلي كما رنا إلى ظبية وسط الخميلة جؤذر

فعلى طول تاريخ الأدب العربي لم يتعرض معظم شعراء الغزل الصريح لاضطهاد بسبب أشعارهم الإباحية ، أما ما تعرض له بعض الشعراء مثل بشار بن برد وابن عبد القدوس من تعذيب أو قتل فقد كان بسبب اتهامهم بالزندقة ، وليس للكتابة الإباحية ، ولكن الأمر أصبح مختلفا الآن ، فمن يتتبع الضجة التي أثارتها السلطات الدينية المصرية في أعقاب نشر كتاب الوصايا في عشق النساء ومن قبله العديد من الأعمال الفنية وصولا إلى قصيدة صورة خصوصية جدا من أرشيف السيدة م لنزار قباني التي نشرتها صباح الخير في بداية الثمانينيات يتضح له أن جزءا رئيسيا من دور السلطات الدينية أصبح متابعة ما ينشر من أعمال فنية ومنحها صكا بالشرعية ، وهو دور لم تضطلع به المؤسسة الدينية السنية في أي مرحلة من مراحل التاريخ ، بل إن بعض المحسوبين على هذه المؤسسة قد أنتجوا أعمالا لا تخلوا من تصريح بالجنس ، وقد نبه ابن قتيبة تلاميذه محذرا من أن يمنعهم الخجل من قراءة بعض النصوص ذات المحتوى الجنسي التي قد يتعرضون لها أثناء دراستهم مؤكدا أن الإثم ليس في ذكر أسماء الأعضاء ، أو وصف الأفعال ، ولكن في تتبع الإعراض ، وانتهاك الحرمات ، ويعتبر كلام ابن قتيبة دالا جدا في هذا المضمار نظرا لأنه من مدرسة أهل الحديث التي تمثل تاريخيا الشق المحافظ في تاريخ الفكر السني ، وإذا كان ابن قتيبة متسامحا مع قراءة النصوص الجنسية ، فإن محدثا آخر هو الحافظ المحاسبي قد تقدم خطوة أخرى نحو إنتاجها في كتابه القصير المسمى التوهم وهو زيارة تخيلية للجنة والنار كتبها المحاسبي تحفيزا للمسلمين حتى يعملوا من أجلها الأولى وهروبا من الأخيرة ، ومن خلال هذه الزيارة يسرح المحاسبي بخياله ليصور العلاقات الحميمة بين الرجل وبين نساء الجنة ، وهو يبدأ كل فقرة من كتبه طالبا من قارئه أن يتوهم نفسه في موضع العذاب أو النعيم المذكور، و عندما بصل إلى الجنس في الجنة يطلب من المؤمن أن يتوهم نفسه حين يقع بصره على نساء الجنة ، ثم أن يتوهم نفسه وهو متكئ على أريكته الذهبية وحوله أصناف النساء ، ثم أن يتوهم نفسه عندما تأتي إليه إحداهن وهو متكئ وتلاعبه، و يستمر المحاسبي في توهمه متجاوزا الكثير من الخطوط الحمر في عمل أدبي يبدو أنه يقصد الوصف لا الوعظ ، ولم يكن المحاسبي متناقضا مع نفسه كإمام وقور؛ فما هو محرم عنده هو الزنا لا الجنس ، ولما لم يكن هناك زنا في الجنة فلا بأس إذن بالتمادي في وصف الجنس الحلال، وإذا كان المحاسبي قد تحدث عن الجنس في الجنة فإن سلفيا آخر هو ابن قيم الجوزية ينتج نصا جنسيا تعليميا هذه المرة من نوع الثقافة الجنسية التي يدور حولها الجدل حاليا ، وذلك ضمن كتابه الأشهر زاد المعاد من هدي خير العباد في فصل بعنوان قي هديه صلى الله عليه وسلم في الجماع وفيه يبدأ ابن القيم بعرض لأهمية الجماع في حفظ الصحة عارضا لما وصله من أقوال فضلاء الأطباء في عصره ، أو من أقوال أطباء اليونان بما يكشف عن ثقافة واسعة لذلك العالم الإسلامي الجليل، يقول:
وفضلاء الأطباء يرون أن الجماع من أحد أسباب حفظ الصحة . قال جالينوس : الغالب على جوهر المني النار والهواء ومزاجه حار رطب لأن كونه من الدم الصافي الذي تغتذي به الأعضاء الأصلية وإذا ثبت فضل المني فاعلم أنه لا ينبغي إخراجه إلا في طلب النسل أو إخراج المحتقن منه فإنه إذا دام احتقانه أحدث أمراضا رديئة منها : الوسواس والجنون والصرع وغير ذلك وقد يبرئ استعماله من هذه الأمراض كثيرا فإنه إذا طال احتباسه فسد واستحال إلى كيفية سمية توجب أمراضا رديئة كما ذكرنا ولذلك تدفعه الطبيعة بالاحتلام إذا كثر عندها من غير جماع.
وقال بعض السلف ينبغي للرجل أن يتعاهد من نفسه ثلاثا : أن لا يدع المشي فإن احتاج إليه يوما قدر عليه وينبغي أن لا يدع الأكل فإن أمعاءه تضيق وينبغي أن لا يدع الجماع فإن البئر إذا لم تنزح ذهب ماؤها . وقال محمد بن زكريا : من ترك الجماع مدة طويلة ضعفت قوى أعصابه وانسدت مجاريها وتقلص ذكره.
ورأيت جماعة تركوه لنوع من التقشف فبردت أبدانهم ووقعت عليهم كآبة بلا سبب وقلت شهواتهم وهضمهم.
وبعد ذلك ينتقل ابن القيم إلى ذكر تحريض النبي على النكاح ، وحبه له ، ثم ينتقل إلى مبحث حول كيفية المعاشرة الجنسية ، ويبدأ قائلا:
ومما ينبغي تقديمه على الجماع ملاعبة المرأة وتقبيلها ومص لسانها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلاعب أهله ويقبلها.
وروى أبو داود في سننه أنه صلى الله عليه وسلم كان يقبل عائشة ويمص لسانها.
ويذكر عن جابر بن عبد الله قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المواقعة قبل الملاعبة.
ثم يتحدث عن الوقت الأنسب للجماع من وجه نظره فيقول:
وأنفع الجماع : ما حصل بعد الهضم وعند اعتدال البدن في حره وبرده ويبوسته ورطوبته وخلائه وامتلائه . وضرره عند امتلاء البدن أسهل وأقل من ضرره عند خلوه وكذلك ضرره عند كثرة الرطوبة أقل منه عند اليبوسة وعند حرارته أقل منه عند برودته وإنما ينبغي أن يجامع إذا اشتدت الشهوة وحصل الانتشار التام الذي ليس عن تكلف ولا فكر في صورة ولا نظر متتابع ولا ينبغي أن يستدعي شهوة الجماع ويتكلفها ويحمل نفسه عليها وليبادر إليه إذا هاجت به كثرة المني واشتد شبقه
بعد ذلك يعرج ابن القيم إلى أوضاع الوطأ ، ويذكر ما يراه منها جيدا أو مستقبحا:
وأحسن أشكال الجماع أن يعلو الرجل المرأة مستفرشا لها بعد الملاعبة والقبلة وبهذا سميت المرأة فراشا كما قال صلى الله عليه وسلم الولد للفراش وهذا من تمام قوامية الرجل على المرأة كما قال تعالى:الرجال قوامون على النساء[النساء 34 ] وكما قيلإذا رمتها كانت فراشا يقلني
وبعد الفراغ فخادم يتملق
وقد قال تعالى:هن لباس لكم وأنتم لباس لهن[البقرة 187 ] وأكمل اللباس وأسبغه على هذه الحال فإن فراش الرجل لباس له وكذلك لحاف المرأة لباس لها فهذا الشكل الفاضل مأخوذ من هذه الآية وبه يحسن موقع استعارة اللباس من كل من الزوجين للآخر.
وفيه وجه آخر وهو أنها تنعطف عليه أحيانا فتكون عليه كاللباس قال الشاعر
إذا ما الضجيع ثنى جيدها تثنت فكانت عليه لباسا

وأردأ أشكاله أن تعلوه المرأة ويجامعها على ظهره وهو خلاف الشكل الطبيعي الذي طبع الله عليه الرجل والمرأة بل نوع الذكر والأنثى وفيه من المفاسد أن المني يتعسر خروجه كله فربما بقي في العضو منه فيتعفن ويفسد فيضر وأيضا : فربما سال إلى الذكر رطوبات من الفرج وأيضا فإن الرحم لا يتمكن من الاشتمال على الماء واجتماعه فيه وانضمامه عليه لتخليق الولد وأيضا : فإن المرأة مفعول بها طبعا وشرعا وإذا كانت فاعلة خالفت مقتضى الطبع والشرع.
وكان أهل الكتاب إنما يأتون النساء على جنوبهن على حرف ويقولون هو أيسر للمرأة.
وكانت قريش والأنصار تشرح النساء على أقفائهن فعابت اليهود عليهم ذلك فأنزل الله عز وجل نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم[البقرة 223] .
وفي الصحيحين عن جابر قال كانت اليهود تقول إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول فأنزل الله عز وجل نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم
وفي لفظ لمسلم إن شاء مجبية وإن شاء غير مجبية غير أن ذلك في صمام واحد
والمجبية المنكبة على وجهها والصمام الواحد الفرج وهو موضع الحرث والولد.
وإذا كان ابن القيم يكتب نصا في الثقافة الجنسية ، فلا بد أن نعلق عليه ذلك أن ما كتبه الأقدمون قد أصبح ذا مرجعية شديدة بالنسبة للكثيرين منا خاصة إذا كان من كتبه هو الإمام ابن القيم والذي يحظى هو وأستاذه ابن تيمية الحراني بالقسط الأوفر من الاحترام والتبجيل من قبل القائمين على التثقيف الديني من أئمة المساجد ، وناشري الكتب الدينية ، وفي إطار ثقافة لا يشكل الفكر النقدي فيها نمطا شائعا في التفكير، ونلاحظ هنا الدور التربوي الذي اضطلع به ابن قيم الجوزية عندما تصدى لذلك الموضوع ، وذلك غير مستغرب ، فقد كان علماء الدين في ذلك الوقت هم قادة الحركة الثقافية في شتى المجالات ، إذ كان الكثير منهم نماذج للعلم الموسوعي في إطار ثقافة لم تكن تؤمن بالتخصص ، ولا بوضع حدود لما هو ديني وما هو دنيوي ، ولكن ابن القيم مع ذلك لم يكن يمارس أسلمة المعارف بالمفهوم الذي يمارسه البعض اليوم ، فهو لا يحاول أن يعثر على كل المعارف العلمية ، والاجتماعية داخل القرآن إعمالا لتفسير مبتذل لقوله تعالىما فرطنا في الكتاب من شيء فعندما أراد أن يبحث عن فوائد الجماع كان عليه أن يرجع إلى مرجع طبي، وهو جالينوس اليوناني المشرك دون أن يبحث عن إعجاز طبي في القرآن ، أو يتكلف لآية تفسيرا يثبت به ما يريد إثباته مما كان يتصور أنه من حقائق الطب ، ولم يذكر آية أو حديثا إلا وكان له موضع في الاستشهاد من وجهة نظره على الأقل ، ولكن معظم ما كتبه خاصة في ذكر الأوضاع الجنسية المختلفة ، وتفضيل بعضها على بعض ينطلق أساسا من مواقف ثقافية، وشخصية ، فما استند إليه من شواهد الكتاب والسنة يفتقد إلى أي قوة من وجهة النظر الفقهية فآية الرجال قوامون على النساء موجودة داخل سياق لا يتحدث عن الجنس بالمرة بل عن ما أنفقه الرجال من أموالهم ، وهو ما يعني أن تلك القوامة المذكورة لا تعني أي قوامة جنسية على الإطلاق ، أما محاولة استغلال المجاز في قوله تعالى هن لباس لكم وأنتم لباس لهن فهي أكثر ضعفا فما استخرجه منها من كون الرجل لحافا و المرأة لباسا لا يمكن أن يخرج على أي وجه إلا أن يتكلف تكلفا، بينما حديث الولد للفراش فلا يقصد بالفراش فيه غير سرير الزوجية ، لا المرأة ، و إلا كان نصا في نسبة الولد إلى أمه لا الزوج، أما جمع أبيات شعرية كالتي ذكرها مع آيات ، و أحاديث في استدلال فقهي{لا لغوي} فليس من طرق الفقهاء ذلك أن الأشعار ليست دليلا فقهيا على الإطلاق ، كما أن حديثه عن أن المرأة مفعول بها طبعا فهو مما يمكن أن يدور جدال حوله ، ومفعول بها شرعا وهو ما لم يقدم دليل شرعي عليه، وربما كان ابن القيم واعيا لوهن أدلته فتجنب استخدام أي حكم شرعي لوصف ما حسنه ، وما قبحه ، فلم يستخدم كلمة سنة ، أو مندوب لوصف الوضع المفضل لديه ولم يستخدم تعبير مكروه أو حرام لوصف ما اعتبره سيئا ، والواقع إن خيارات ابن القيم تنبع من اعتبارات ثقافية تاريخية تعتبر الذكر هو الكائن المهيمن في مجتمع ذكوري يرى اعتلاء المرأة الرجل أثناء الجنس رمزا لتسيدها عليه ، هذه القيم التي كانت تسكن في عقل ابن القيم فتمنعه وهو المتأمل لكلام الله من ملاحظة أن آية نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم أي كيف شئتم عامة في التخيير بين الأوضاع كلها ، وهذا نموذج صارخ على تأثير العوامل التاريخية في إنتاج التفسيرات المختلفة للنصوص الدينية.
وقد يسأل البعض إذا كان هذا هو حال الأقدمين من العلماء في تقدير الجنس ، والتسامح إزاء النصوص الجنسية فضلا عن إنتاجها ، فكيف تغيرت الصورة إذن ، وكيف سادت بين المحدثين هذه الحالة من التحفز تجاه الجنس ، والخوف من التصريح بشأنه حتى أن درس الغسل في كتب التربية الإسلامية المصرية قد استحال مجموعة من الأحاجي التي لا يصل التلميذ معها إلى شيء؟
و الإجابة عندي أن ذلك قد ظهر تدريجيا كرد فعل لدخول القيم الغربية في مجال العلاقات بين الرجل والمرأة منذ بدايات القرن العشرين ، فمنذ بداية هذا القرن ظهرت الدعوات لخروج النساء للدراسة والعمل ، وظهرت الدعوات التي تؤيد السفور ، و ترى الاختلاط بين الرجال والنساء أمرا من طبائع الأمور ، الأمر الذي رآه المحافظون ، وعلى رأسهم المتدينون جرحا لمفهوم العفة الواجبة داخل المجتمع الإسلامي ، ثم زاد الطين بلة أن رشحت داخل الفكر الاجتماعي في البلدان الإسلامية آثار من مناهج ترى العلاقات خارج أطر مؤسسة الزواج التقليدي نوع من الحرية الشخصية التي لا ينبغي على القوانين أن تشغل نفسها بمحاربتها ، ثم بدأت الفنون الحديثة في الظهور مثل السينما والتلفزيون ، وانتقل كثير مما كان في الأدب من صراحة إلى هذه الفنون ، ولكنها صراحة مرئية لا متخيلة هذه المرة الأمر الذي يثير بالضرورة إشكاليات جديدة ، والحقيقة أن هذه الدعوات قد لاقت استجابة كبيرة على الأقل في البداية سواء من قبل الحكومات المختلفة ، أو من قبل القطاعات المنتسبة إلى التعليم المدني المستحدث ، وقد اعتبر هذا تحديا كبيرا من قبل المؤسسات الدينية المحافظة التي رأت في كل ذلك تشويها ضخما لصورة المجتمع المألوف ، وقد أنتج ذلك تحفزا كبيرا ضد هذه الحرية المستوردة ، بكل مظاهرها ، وقد امتد ذلك لكي يطال كل ما له علاقة بالجنس الذي اعتبر سلاحا خطيرا لتدمير المجتمع الإسلامي السوي كما يفهمه مفكري المؤسسات الإسلامية الرسمية ، وغير الرسمية على السواء ، وهكذا سمعنا تعابير لم تكن مستخدمة مثل الأدب الإسلامي إذ حاول البعض أن يستخرج قيم إسلامية ينبغي أن يلتزم بها النص الأدبي والعمل الفني بشكل عام مثل تلك التي حاول أن يحددها محمد قطب الشقيق الأصغر لسيد قطب في كتابه معركة التقاليد ، كما صرح أحد المفكرين الدينيين بأن الإسلام يؤيد مبدأ التلميح لا التصريح عند الحديث عن الجنس ضاربا المثل بسورة يوسف كما وردت بالقرآن الكريم ، و قد نسى أن القرآن وإن كان عملا أدبيا فهو عمل مقدس أيضا يقرأ في الصلاة ، كما أنه عمل أدبي ذو غرض تعليمي وتوجيهي ، ولا يهدف في الأساس إلى وصف المشاعر ، وبالتالي فإن قياس أي عمل أدبي آخر به ليس دقيقا ، وقد استخدم الرسول{ص} في بعض أحاديثه كما رويت ألفاظا أكثر صراحة لأنه لم يكن ينتج نصوصا مقدسة، وكما أصبحت بعض النصوص الأدبية متهمة ، فقد ظهر تحفز من نوع جديد ضد جميع أنواع العلاقات بين الجنسين بالرغم أن التاريخ الإسلامي يذكر لنا أن نساء مسلمات شهيرات قد اختلطن بالرجال ، فقد أحصى أصحاب التراجم عددا من شيخات ابن حجر العسقلاني الحافظ الشهير صاحب كتاب فتح الباري بشرح صحيح البخاري ، إن هؤلاء الشيخات لسن الوحيدات في تاريخ الإسلام ، و إن كن قلة من النساء على مر التاريخ حاولن أن يخترقن الحاجز الذكوري على علوم الدين ، ثلة قليلة من النساء يبدأن بالسيدة عائشة لكنهن لم يستطعن إحداث اختراق حقيقي وإن كان لهن شرف المحاولة ، وخارج هذه الثلة كانت توجد ثلة أخرى من الملكات و الأميرات و الخاتونات اللائي حاولن أن تكن لهن كلمة في عالم الحكم والسياسة ، وإن كان الطريق المتاح بالطبع هو من خلال علاقتهن بالأبناء أو الأزواج من الملوك والقادة ، وفي الحياة الثقافية لا يستطيع المؤرخ لها في الأندلس أن يتجاهل مجلس الشاعرة الأميرة ولادة بنت المستكفي الذي ضم صفوة أدباء قرطبة في ذلك العصر وعلى رأسهم الشاعر الكبير ابن زيدون الذي ربطه الحب كذلك ببنت المستكفي عدد ليس بكبير إذن من النساء المذكورات في التاريخ الرسمي، والمتجاهلات من قبل قرائه المحدثين ، وعدد أكبر قد تجاهله ذلك التاريخ يؤكد أن الحريم لم يكن قدرا مقدورا على جميع النساء المسلمات { وسوف نبحث ذلك بتفصيل أكبر فيما بعد } ، وكما ظهر التحفز ضد الاختلاط ظهر أيضا ضد عواطف الحب الجنسي باعتبارها خروجا عن حدود الله ، وظهر من يؤكد أن الحب الوحيد المقبول إسلاميا هو الحب في الله ، وأن تعلق القلب بغير الله هو درب من الشرك ، وهذا تهويم في وجه الحقيقة لأن الحب ليس نوعا واحدا ، وقلب الإنسان قد يوفق بين أنواع عديدة من الحب ، و الآية تقول قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم و أموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها و مساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره فما أنكره الله ليس هو الحب لغيره ، ولكن أن تحب غيره أكثر منه بحيث إذا تعارض ما يريده المحبوب الآخر مع ما أمر الله به كان الترجيح للمحبوب على الله ورسوله، و قد أفرد بعض علماء المسلمين فصولا وكتبا عن الحب لعل أهمها كتاب طوق الحمامة لابن حزم الظاهري