الحذاء الذي صرع صاحبه

الحذاء الذي صرع صاحبه

وضع كوب الشاي الفارغة .. خلع ثيابه .. أسرعت تمد يدها تناوله ملابسه بدا صامتا مهموما على غير عادته .. ربتت على كتفه بحنان:- هذه الزيارة لا تروقكقال آسفا :- لا .. ونعم.قالت نشجعه :- ولكن ظرف طارئ لن يتكرر.قال بدون ثقة :- ومن يضمن ذلك ؟قالت تؤيده :- لا أحد.قال متخوفا :- أخشى أن يصبح الطارئ ضروريا.كان قد ارتدى ملابسه .. عدلت بيدها خصلة شعر نافرة خلف أذنه وضمته إلى صدرها .. لفت ذراعيها حول ظهره .. سندت رأسها على كتفه .. ودت لو أخفته بين ضلوعها لتحميه من كل ما يعكر صفوه .. قبل شعرها بحنان صامت .. أسرتها قبلته .. أجلسته على طرف الفراش بلطف .. وجلست بجواره ..قالت تهيب به بالعودة المبكرة :- سأعد لك العشاء .. إن هموم الدنيا تركبني عندما أراك هكذا .. إن عبوسك لن يحل ما نحن فيه .. هيا ابتسم.غلبته طبيعته المرحة :- هل ستلتقطين لي صورة تذكارية ؟دخلت الابنة الكبرى .. قالت بدلال :- هل كنت ستخرج دون أن تقبلني ؟لم تنتظر رده .. أحاطت رأسه بكفيها وقبلت وجنتيه .. أجلسها بجواره وهو يحيط كتفيها بذراعه .. قال يشاكسها :- ما دمت نائمة نصف النهار.قالت تدافع عن نفسها :- عندي رقة بحث لابد من إكمالها وتقديمها غدا.قالت تهيب به بالعودة المبكرة :- سأعد لك العشاء الذي تحبه متى تعود بالضبط ؟قال فرحا بها :- بعد ساعة على الأكثر .. صمت قليلا ثم أكمل .. ألا يعطلك هذا عن بحثك ؟قالت تدافع عن تفوقها :- وهل نجحت طوال السنوات الماضية بأقل من الامتياز ؟- إلى اللقاء على مائدة العشاء ..واستغرق الجميع في الضحك تحسس جيب سترته الداخلي .. اطمأن .. قالت زوجته وهي تفتح باب الشقة :- لا تتأخر .. لن نتعشى حتى تعود.قال مؤكدا :- المهم أن يكون انتهى منهم ولن أبقى عند كامل أكثر من نصف ساعة.أحس بثقل في ساقيه .. نقل قدميه بصعوبة .. هكذا حالته عندما تثقل عليه الهموم .. خاصة التي تبدو بلا حل .. تمنى لو يؤجل الذهاب أسبوعا .. ولكن مستحيل إلا إذا ذهبوا إلى أماكن عملهم ودراستهم حفاة .. ابتسم لهذا الخاطر وتصور أفراد أسرته في كامل ملابسهم وهم يخرجون في الصباح واحدا بعد الآخر .. حفاة الأقدام .. أليس هذا أرحم من التنازل عن عشرة جنيهات لإصلاح أحذيتهم وقضاء الأسبوع المتبقي من الشهر في مجاعة .. لا فليكن دقيقا في تعبيراته .. في صيام وليس مجاعة .. لا بد أن هذه الأحذية الشريرة تحالفت مع بعضها ضده وإلا فلماذا تلفظ أنفاسها كلها دفعة واحدة .. فتظهر الأصابع من المقدمة أو تنقل الحصى والماء إلى باطن القدم أو تكشف عن هيكل الكعب النخيل. واصل سيره محاولا تقدير الدخل اليومي لمحل تصليح الأحذية المكتظ دائما بكل أصناف وأحجام الأحذية للرجال والنساء والأطفال .. إن ما يحصل عليه هو في شهر يحصل عليه المحل في عدة ساعات .. وتحسس جيب سترته الداخلي عن خمس مرتبه من أجل إصلاح أحذية الأسرة .. فكر في أن يتعلم مهنة إصلاح الأحذية ليخرج من عنق الزجاجة المحاصر فيه هو وأسرته منذ سنوات .. ابتسم للمرة الثانية لهذا الخاطر الساذج.قال له الرجل :- هذه الأحذية ولا مؤاخذة انتهت.قال له بهلع :- كيف يا معلم .. إن عمرها لم يتجاوز الخمسة أشهر .. لقد اشتريناها جميعا مع بداية العام الدراسي.ابتسم المعلم يطمئنه :- لكن كل عقدة ولها حلال .. ستكلفك زيادة ولكن ستصبح جديدة كما كانت.قال لنفسه .. جنيهان ثلاثة لا بأس ما دامت سترد فيها الروح.- نتفق أولا.أمسك المعلم حذاء ابنه الذي في آخر دراسة الإعدادية ولا يكف عن لعب الكرة الشراب .. أدخل يده في قلب الحذاء وأخرج أصابعه من مقدمته.- هذا لا ينفع معه إلا تركيب نصف نعل.- بكم ؟- أربعة جنيهات.- كيف يا معلم ؟ هذا كثير ..- ليس كثيرا .. الحذاء الجديد ثمنه عشرة جنيهات وأنت ستتسلمه جديدا تماما .. أربعة جنيهات ليست خسارة فيه.أسقط في يده .. كيف سيذهب إلى المدرسة ؟ ومن المستحيل شراء حذاء جديد قبل بداية العام الدراسي القادم .. رضخ الرجل قائلا :- افحص الباقي.بدأ بحذائه هو .. أدخل إصبعه في أحد الثقوب وحرك به فرشة الحذاء المقوسة الأطراف من العرق وكثرة الاستعمال .. قال :- وهذا مثله نصف نعل أيضا.استسلم الرجل ثانية :- والأحذية الحريمي ؟التقط حذاء زوجته .. قرب من بعضهما .. قال :- انظر إنهما ليسا في طول واحد.تساءل بحيرة :- وما العمل ؟أشار إلى رف مكدس بعلب الورنيش قائلا :- ألا ترى هذه الماكينة ؟بحثت عيناه فلم يجد إلا كتلة من الحديد المتسخ فوق الرف .. قال بغير فهم :- هذه ؟- نعم .. إنها تعمل بالكهرباء تكشط الخشب الزائد من الكعب وتساويه بزميله.وما دخله هو بهذه الماكينة الكهربائية التي يبدو أنه حصل عليها من وكالة البلح .. لابد أنه يعني مزيدا من النقود ..قال بضيق :- خلاصة الكلام، بكم ستصلح هذا الكعب ؟- نصف جنيه ..استمات في مساومته :- إن قطعة الجلد التي ستضعها على كل كعب في حجم الخمسة قروش المعدنية ..وحمدا لله أن زوجته تصل لعملها بعربة الشركة فلا تضطر للمشي واستهلاك الحذاء أكثر من ذلك .. ويتحداه وهو يمد يده بقطعة جلد ..- ها هو الجلد وأصلحها أنت.قال مقهورا :- حلال عليك النصف جنيه.جمع الأرقام بسرعة .. لن تبقى من العشرة جنيهات التي تملكها الأسرة حتى نهاية الشهر إلا جنيها ونصف .. إذن لا مفر من مد اليد بالاستدانة .. ولكن البنتين هل ستخرجان بدون أحذية ..قال ك- وبقية الأحذية ؟- نفس العلاج.قال منزعجا :- نصف نعل.- ثلاثة جنيهات لكل زوج.- لكن هذا كثير.- لم أقل لك أربعة.قال مستعطفا :- لا أريد نصف نعل الآن، المرة القادمة .. تصرف.- النصف نعل يصونها .. لكن ما دمت لا تريد ..- نعم ليس الآن.- سأصلحها بشكل مؤقت تعيش شهرين أو ثلاثة.- هذا يكفيني .. البنت الصغرى ستمتحن بعد شهر ونصف وبعدها تبدأ امتحانات الجامعة وتنتهي مهمة الأحذية فهما لا تخرجان في الصيف إلا نادرا .- ما رأيك ؟- المهم السعر.- جنيهان.كاد أن يقول له إنك ستأخذ اللقمة من أفواهنا .. وتعرضني لمذلة الاستدانة .. ولكنه أيضا سيخلصه هو وأسرته من مهانة السير حفاة الأقدام.كغريق يتعلق بقشة قال بحزم :- لن أدفع أكثر من العشرة جنيهات. وكمن تذكر شيئا غاب عن ذهنه : متى تنتهي منها ؟- بعد أسبوع.قال مستغيثا :- وهل يرضيك أن يتغيب الأولاد عن المدارس ؟- عيناي للأولاد .. لكن بقية الأحذية بعد أسبوع .. ورمق حذاءه الرث بنظرة متفحصة وأكمل : تتسلمها .. تلبس حذاءك وتترك لي هذا لأجدده لك.نظر منزعجا إلى حذائه وكأنه ضبط عاريا في الطريق العام .. كذب مدافعا عن رقة حاله :- لا ليس حذائي .. إنه حذاء ابني.كشف كذبه بلا رحمة :- لن يذهب الولد إلى المدرسة بالاثنين معا.فال بنفاذ صبر :- لا تتعب قلبي .. أنت لا تعرف عدد أولادي .. هي كلمة واحدة .. ستنتهي منهم جميعا في الغد أم لا ؟وهم واقفا .. قال المعلم منقذا الصفقة من الضياع :- لا تغضب هكذا .. غدا تتسلمها جميعا .. نحن في الخدمة.أحس بالضياع كمن نشل مرتبه في أول يوم في الشهر .. أحس بثقل يحط على سائر أعضائه نقل قدميه بصعوبة .. تباطأت دقات قلبه .. لمن يلجأ .. وإذا وجد من يلجأ إليه كيف يطلب منه أن يعول له أسرته حتى يحين أول الشهر بعد أسبوع بكامله ؟ لا إنه لن يعولهم .. إنه سيقرضه مبلغا من المال يرده أول الشهر .. إنه لم يتعود الاقتراض لم يفعل ذلك في حياته .. هو وزوجته يحكمان تنظيم ميزانية البيت ويحسبان لكل شيء حسابه إن الأسرة تعيش في حدود مرتبها معا والفضل في ذلك يرجع لحسن تدبير زوجته .. وتضحيتهما معا بكل ما هو ضروري لهما .. في سبيل أولادهما .. ولكن هذه المصيبة الغير متوقعة التي سقطت عليهما هكذا فجأة .. لقد اقترحت عليه زوجته أن يستدين من زميله في العمل وصديق عمره كمال .. فحالته مستورة .. إنه لا يعول إلا زوجته.وصل محل الأحذية .. لم يتعرف على أحذيته فرح بمظهرها الجديد .. فعلا لقد أحياها من العدم .. نسي هم الاستدانة .. أخرج العشرة جنيهات من جيب سترته ناولها للمعلم .. حمل حقيبة الأحذية .. لابد أن ابنته الكبرى ستغضب منه لأنه لم يصلح حذاءها بتركيب نصف نعل .. طمأن نفسه إنها لن تناقش هذه التفاصيل الصغيرة .. ستكتفي بإلقاء نظرة شاملة على الحذاء والحق أن الرجل أحسن إصلاحه .. ولكن هل يتحمل مشوارها الطويل الذي تقطعه يوميا من البيت إلى الجامعة والعكس .. ويستغرق منها ساعتين سيرا على الأقدام؟ توقف في منتصف الرصيف دس يده في الحقيبة بحثا عن حذائها .. شده أحد المارة لأنه يشغل الطريق .. ونصحه بالتوقف بجوار الجدار .. امتثل لنصحه ووضع الحقيبة على الأرض وأخرج فردتي الحذاء قلبهما .. اطمأن إلى صلابتهما .. وضعهما ثانية .. استمر في سيره.جلس في ركنه المفضل في المقهى أتاه النادل بفنجان قهوته .. سأله عن صديقه كمال وكما توقع أخبره أنه انصرف منذ قليل .. وينتظره في البيت .. أحس بالقلق على صديقه إن كان مريضا أو متعبا .. أخبره بأنه كان يبدو متوعكا .. هم واقفا .. انتظر لحظة كاد أن يترك الحقيبة ريثما يعود صديقه، لكنه خشي عليها من الضياع وأطلت ثانية صورة أسرته بكامل ملابسها وهم يغادرون حفاة .. ابتسم .. حمل الحقيبة متجها لبيت صديقه كيف سيطلب منه أن يقرضه العشرة جنيهات .. إنه صديق عمره وأقرب من أخيه ولن يتأخر عن إقراضه مادام يستطيع ذلك .. كم هي مهمة شاقة أن يمد الإنسان يده ليطلب مالا كم غيره .. تساءل هل من الضروري أن يخبره بحكاية العشرة جنيهات التي دفعها لإصلاح الأحذية أم يطلب القرض فقط ؟ لم يستقر على رأي.صعد السلم على مهل أحس بحركة –غير عادية .. أناس يهرولون صعودا وهبوطا وجمل تتناثر من أفواههم .. من أمثال لا حول ولا قوة إلا بالله، والأعمار بيد الله .. انقبض قلبه .. اعتبر هذا نذير شؤم .. وأن صديقه لن يقرضه ما يريد .. وعلى أسرته أن تقضم الهواء وتتغذى به ريثما يجيء أول الشهر.اقترب من باب الشقة يلتقط أنفاسه .. كانت مفتوحة .. صوت نشيج وبكاء .. نسوة يتشحن السواد .. يعبرن أمامه من كل اتجاه .. أوشك أن يقتحم داخلا .. استحى من جمع النساء .. إن الوفاة هنا .. لابد أنها زوجته .. كانت تعاني من عدة أمراض .. لابد أن يكون بجوار صديقه في هذه اللحظة .. سأل أول امرأة عبرت في اتجاهه :- أين كامل ؟انفجرت باكية :- تعيش أنت ..ضاع صديق عمره .. ستموت أسرته من الجوع .. فهو لا يعرف أحدا يمكن أن يقرضه سواه .. سقطت يده المستندة على حافة الباب وقعت الحقيبة من اليد الأخرى .. أطلت منها الأحذية .. سقط الرجل بجوارها .. صرخت المرأة.تجمعت النسوة حوله أمسكت إحداهن بمعصمه الأيسر .. جلست على ركبتيها بجواره .. فتحت سترته وضعت أذنيها فوق قلبه .. رفعت رأسها .. أعلنت والدموع تملأ مقلتيها :- طلع السر الإلهي.جاءت زوجة الميت محمرة الأنف والعينين .. أطلت برأسها وسط الزحام صرخت :- من ..؟ صابر أفندي. وغرقت في دموعها مرة أخرى : كان صديقه الوحيد .. جاء يلقاه فلحق به.

من جهتي بايخ