الرئيس مبارك يعيش فى الخيال (مع تحيات هيكل)

في حوار مع الصحفي البريطاني روبرت فيسك، وصف الأستاذ محمد حسنين هيكل، الرئيس مبارك، بأنه يعيش في عالم من الخيال، في شرم الشيخ.. ورغم قدرة الأستاذ هيكل الفائقة، علي اختيار الألفاظ واقتناص المعاني، فإن هذه القدرة، فيما يبدو، قد خانته هذه المرة..

وقد اختلفتُ معه، من قبل كثيراً، وكان اختلافي مع الرجل حول آراء أبداها، وحول أفكار وموضوعات كان قد وضعها علي الورق، وأتاحها للرأي العام.. ولم يكن خلافاً حول أشياء شخصية تخصه.. ولم يكن الاختلاف معه، من جانبي، في كل مرة، يجرده من أستاذيته، أو قيمته المهنية العالية، أو حتي تجربته شديدة الثراء في الحياة وفي الصحافة.

واليوم، أجد أني مختلف معه تماماً، حول الموضوع الذي دار بينه وبين «فيسك» وأثار جدلاً، ولايزال يثير.. فليس صحيحاً أن مبارك يعيش في عالم من الخيال، في شرم الشيخ.. لأنه لو كان يعيش علي هذه الصورة فعلاً، لكان حال مصر قد اختلف اختلافاً جذرياً، عما هو عليه الآن، ولو كان الرئيس يعيش في عالم من الخيال، لكان قد رأي لمصر - بخياله - مستقبلاً أفضل مما تبدو أنها سائرة إليه

.. إن الشيء الذي ينقصنا يا أستاذ هيكل، علي مدي ٢٥ عاماً مضت، هو الخيال في إدارة الدولة.. والخيال في التطلع إلي مستقبلها بين الأمم.

فعندما قامت الثورة، كان عبدالناصر يتخيل دولة أخري تماماً، غير التي آلت إليه، من العصر الملكي.. وكان يحلم بإقامة دولة مثالية، وكان يري أنه قادر علي إقامة المدينة الفاضلة في مصر، وقد شرع بالفعل في تشييد أسس الدولة التي طافت في خياله..

صحيح أنه ألحق بنا ضرراً بالغاً، بأحلامه وخياله، لانزال ندفع ثمنه، خصوصاً في ٦٧.. ولكنه في كل الأحوال كان يحلم، وكان يتخيل، وكان متمرداً علي الواقع، وثائراً عليه، ويريد أن يغيره من النقيض إلي النقيض.

وعندما تولي السادات الحكم، كان عنده خيال آخر، في دولة أخري، غير دولة عبدالناصر.. وكان يعيش الخيال، أكثر مما يعيش في الواقع، وكان يتخيل شكل مصر، وهو يحكمها، بعد عشر سنوات، مثلاً.. وكان يردد دائماً أنها سوف تكون علي الصورة الفلانية، ثم يرسم معالمها وملامحها في خياله، ويشرحها للناس..

وعندما زار القدس في ١٩ نوفمبر ١٩٧٧، وصف الغرب كله، هبوطه في إسرائيل، بأنه مثل هبوط الإنسان علي القمر، مما يعني أن الأمر، لم يكن يخلو من خيال جامح، كان يراوده علي الدوام.

ولكن الرئيس مبارك، لا يريد أن يتخيل شيئاً لحاضر مصر، ولا لمستقبلها.. ويصمم منذ تسلمها من السادات العظيم، علي أن يديرها كما أخذها عنه، ويجعل الواقع يستغرقه بأكثر مما ينبغي، ومما يجوز، ومما هو مُحتمل.. وحتي إذا انحاز إلي الفقراء، فإنه ينحاز إليهم، في واقعهم المُر، ولا يحب أن يتخيل لهم شيئاً، ويتصوره.. ثم يحققه!!

الخيال، هو الخطوة الأولي، نحو بناء الأحلام الكبري للدول.. وقد كنا نتمني أن تكون «تهمة» الأستاذ هيكل، للرئيس مبارك، صحيحة.. ولكنه للأسف يتجني عليه!!

نقلا عن جريدة المصرى اليوم