الزواج العرفي.. الأسرة أول من تدفع له وأول من تخسر منه!

هل يُعقل أن تدفع أسرة بأبنائها وبناتها للزواج العرفي؟ الإجابة نعم. لكن ليس المقصود أن دفع الأسرة لأبنائها لهذا الطريق يأتي قصداً, لكنه دون شك هو المحصلة الطبيعية لبعض الممارسات والتصرفات التي تتم داخل بعض البيوت في مجتمعاتنا العربية والإسلامية.
فمن خلال الاستطلاعات التي قام بها فريق (الإسلام اليوم) أجمع عدد من الذين انخرطوا في هذه الزيجات أن غياب الإرشاد والمراقبة الأسرية كان المحرك الأكبر لهم للسير في هذا الطريق، إضافة إلى غياب بعض المفردات المهمة في العملية التربوية من داخل بيوتنا كقيمة الحوار والتشاور التي تنمي شخصية الشاب والفتاة، وتجعل الوالدين قريبين منه يعرفان فيمَ يفكر وكيف يفكر.

انتظروا أسراً مفككة!

وتؤكد الإحصائيات الرسمية أن أكثر من 90% من حالات الزواج السري نتجت عن أسر مفككة اجتماعياً، فهناك شريحة مترفة ولديها المال، وتأثير الإعلام والسينما، ومع الاختلاط تنفجر المشكلة.
ولأن هؤلاء الشباب يعيشون في طور المراهقة فهم يمارسونها بعيداً عن الرقابة الأسرية. وفي شريحة الطبقة الدنيا فإن الشاب إذا كان بعيداً عن الدين فهو يرى في الزواج السري فرصة للتعرف على الطرف الآخر. ولأن الزواج بتكاليفه مستحيل من وجهة نظره، فإن الحلّ هو الزواج العرفي المبكر.

عارضوا الحلال ففوجئوا بالعرفي!

يرجع د. أحمد أبو راس -أستاذ علم الاجتماع- الأسباب التي تؤدي إلى الزواج العرفي عند العزاب بأنها قد تكون نتيجة معارضة الأهل لفكرة الزواج وإتمامه، وهنا يزعم الأهل على أنه يوجد ما يبرر مواقفهم ومنها: الاختلاف الثقافي، والبعد الجغرافي، وخوفهم من رحيل ابنهم نهائياً عنهم والذهاب مع زوجته ليسكنا إلى جوار أهلها، والاختلاف في العادات والتقاليد والطابع الثقافي القيمي، ورغبة من الأهل بتزويجه من قريبة له.
وقد يكون سبب هذا الزواج رغبة شخصية من الطرفين, فيتم الاتفاق بينهما بشكل سري وغير معلن لإشباع حاجات بيولوجية وسيكولوجية بدون أن يتحملا مسؤوليات الزواج وتبعاته.
ويضيف د. محمود خيال: إن هؤلاء الشباب يعانون من اختلال العلاقات الأسرية وافتقادها للثقافة والوعي والحوار العائلي، مما يجعل الأسرة مشتتة، ومن ثم تصبح قرارات الأبناء منفردة نتيجة فشل الأبوين في التربية، فالزوج من جانبه لا يرى مسؤولية تقع على عاتقه سوى تدبير نفقات المعيشة.
والأم تحاول توفير الواجبات المنزلية دون الاهتمام ببث القيم الأخلاقية والمبادئ الإنسانية والثقافة والمعرفة وبناء الضمير للأبناء، وهو ما يؤدي إلى خلل في العاطفة وعدم النضج العاطفي، وقد يؤدي ذلك إلى انهيار المكون المعنوي للشاب أو الفتاة ويميل كلاهما إلى الانحراف والجموح إلى النزوات، وتفريغ الكبت الداخلي بتعجيل إتمام العلاقة العاطفية.
وقد يحدث هذا النوع من الزواج لأسباب ماديّة تتعلق بترتيبات الزواج من مهر مرتفع, وسكن مستقل وأثاث فاخر وما شاكل من متطلبات أخرى... الأمر الذي يدفع الشباب إلى الاقتران السري غير المعلن؛ لأنه ليس بمقدورهم القيام بكل هذه الأعباء المادية المرهقة.
أما أسباب الزواج العرفي عند المتزوجين فهي تنتج عن عدم الانسجام العاطفي والبيولوجي والثقافي بين الزوج وزوجته، وطمعاً بمال القرين والمغريات المادية الأخرى، والخلافات الزوجية المتكررة الناجمة عن عدم التفاهم، والهروب من المنزل، وقضاء معظم الأوقات في أماكن التسلية ذات الأجواء المثيرة، والغنى المادي غير المقترن بغنى العقل قد يكون واحداً من الأسباب التي تدفع إلى الزواج العرفي.
يؤكد الدكتور أحمد المجدوب‏ -المستشار بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية- أن البيت هو أساس ومصدر الشقاء في بعض الأحيان‏,‏ فكثير من البيوت هشّة الجدران، وتفتقد أركانه إلى لغة الحوار بين الآباء والأبناء‏.‏
ويضيف المجدوب:‏ يجب أن تكون هناك لغة للحوار بين الأهل والطفل أو المراهق، وذلك لإيجاد شخصية مسؤولة,‏ فذلك يعطي الشخص إحساساً بالثقة وأنه يُؤخذ رأيه في كل صغيرة وكبيرة مما يوجد شخصية مسؤولة تخجل وتخاف من سحب هذه الثقة منها‏.‏ ويقول د. المجدوب: إن نحو‏59%‏ من فئة الشباب مؤمن بشرعية الزواج العرفي؛ بل وصلت نسبة شباب الجامعة المتزوج زواجاً سرياً إلى ‏18%,‏ كما أن‏37%‏ منهم لا يعتبرونه حراماً‏, ‏لذا فإن لغة الحوار مهمة؛ فهو يوضح طريقة تفكير الأبناء مما يسمح بتصحيح أي آراء مغلوطة‏!‏
كذلك ينجم عن هذا النوع من الزواج أطفال ذوي نشاط عدواني زائد‏,‏ فوفقاً لإحصائيات علماء الاجتماع يعاني‏98%‏ من أطفال الزواج العرفي من عدم التركيز‏, و31%‏ منهم يعانون من التعثر الدراسي، بالإضافة إلى مشاعر الغضب والاكتئاب‏.‏

جسر العادات بين الآباء والأبناء

ويتفق عبد الباسط سعفان -أستاذ التربية في الجامعات المصرية- مع الدكتور المجدوب في أن السبب الأساس لظاهرة الزواج السري هو ضعف التربية، فلا بد من وجود قدر من السلوك التربوي مبني على احترام العادات والتقاليد للمجتمع الشرقي. فالأب أحياناً لا يقوم بدوره كرب أسرة، وانعدام الحوار بين الأب والأم يؤدي إلى عدم التواصل مع الأبناء؛ فيجب أن تكون لدى الأب قدرة على تجاوز حدوده الشخصية والتعامل مع الأبناء بمفاهيمهم وتفهم واقعهم، إلى جانب قدرته على الإقناع وغرس القيم والمبادئ، وهذا لا يأتي من خلال جلسة حوار واحدة؛ بل يأتي بالتواصل والاهتمام بالأبناء. ولكن الأب الآن يهتم فقط بعمله، ولا يهتم بلقاء أولاده للتعرف على مشاكلهم وقضاياهم، بل ترك كل شيء للأم.
إن الزواج الرسمي له طقوسه وتقاليده التي يحترمها المجتمع مثل حفل الخطوبة وحفل الزفاف، فتنازل الفتاة عن هذا الحلم له أسباب يجب أن تُبحث وتُشخّص وتُعالج بشجاعة.
ويعتقد سعفان أن التنشئة الاجتماعية السليمة القائمة على المحبة والصراحة لها دور مهم في عدم لجوء الفتى أو الفتاة للزواج العرفي. إن افتقاد العلاقات الحميمة والصادقة بين أفراد الأسرة والتفكك الأسري وعدم اهتمام الأبوين بملاحظة هموم وحاجات الأبناء والبنات هي المناخ الملائم لكسر القوانين الاجتماعية الراسخة، وقد تؤدي في النهاية إلى اكتشاف العائلة أن أحد أفرادها متزوج عرفياً.