الصداق والمتعة والخلع، أو حين يصبح الزواج صفقة تجارية، بقلم سناء العاجي

  "صديقتك أرخص من بائعات الهوى في مطعم كذا...". هكذا حدثني، بمرارة، أحد الأصدقاء بعد خروجه
  من جلسة الطلاق بمحكمة الأسرة بالدار البيضاء. بعد سنة ونصف من الزواج، كانت المحكمة قد حكمت
  لزوجته السابقة بمبلغ 13 أو 14 ألف درهم نظيرا عن... المتعة.صديقي اعتبر أنها بذلك تساوي
  أقل من 1000 درهم للشهر! مقارنة موجعة، لكنها ليست بعيدة عن الحقيقة.
  مضى على هذا الأمر حوالي أربع سنوات. كانت تلك أول مواجهة مباشرة لي مع موضوع "المتعة". لم
  أفهم ولا أريد أن أفهم لماذا على الرجل أن يدفع، بعد الطلاق، مبلغا ماليا مقابل "المتعة". هل
  هذا يعني أنه كان يستمتع بمفرده؟ ألا يفترض أن المتعة مشتركةوأن للزوجة أيضا فيها نصيب؟
  أحد أصدقائي، في حديث عن الموضوع، اعتبر الأمر مقبولا وذهب إلى حد الدفاع عنه: إنه نوع من جبر
  الضرر في حالة الطلاق. طيب، هذا يعني أنه على المرأة أن تدفع للرجل مقابلا عن جبر الضرر (عن
  المتعة؟) في حالة كانت هي من يختار الطلاق؟ قد يعتبر البعض الأمر موجودا من خلال طلاق الخلع،
  لكن الواقع أن الأمرين يختلفان: المتعة مبلغ يدفعه الرجل للمرأة بعد الطلاق، نظيرا للمدة التي
  "استمتع" خلالها بها (وليس معها)، والخلع مبلغ تشتري به المرأة طلاقها. من الممكن أن أقبل
  حكاية جبر الضرر إذا اعتبر المشرع أنه على الراغب في الطلاق دون الآخر، سواء كان رجلا أو
  امرأة، أن يعوض الآخر عن الضرر الذي يلحق به. لكننا هنا أمام واقع مختلف.
  لنفكر جديا في مسلسل الزواج بمفهومه التقليدي في مجتمعنا وفي مجتمعات أخرى مشابهة: في
  البداية، يدفع الرجل للمرأة صداقا مقابل الزواج. لماذا؟ هذا هو السؤال الأول. ألا يجعل الصداقُ
  من الزواج عقدا تجاريا؟ بغض النظر عن كون بعض الفتيات وبعض الأسر يذهبن إلى حد المزايدة
  والمفاوضة في مبلغ الصداق، بغض النظر عن هذه التجاوزات؛ فالمفهوم نفسه يستدعي أكثر من علامة
  استفهام. لماذا هذا المقابل المادي المسبق للعلاقة الزوجية؟ ولماذا يكون إجباريا؟ الكثيرون
  يعتبرون أنه إعلاء لشأن المرأة لدى زوجها لأنه يبذل مجهودا من أجل الظفر بها. لكنه في النهاية
   يشبه عملية شراء. كيف تقبل به النساء، بل وتفتخرن به؟ أكثر من هذا، فالمرأة مجبرة بإرجاع
  الصداق في حالة الطلاق قبل "البناء"، أي قبل الدخول / قبل العلاقة الجنسية الأولى. بالله عليكم،
  ألا يكون هنا الصداق مقابلا لتلك الممارسة الجنسية الأولى؟ "إن طلّقتك بعد البناء، فالصداق لك.
  وإن طلقتك قبل البناء، فأنت لا تستحقينه لأني لم آخذ مقابلا"...
  نصل الآن إلى موضوع الطلاق. نحن هنا أمام حالتين: حين تقرر الزوجة الطلاق ويكون الزوج غير راغب
  فيه، فالمشرع يوفر لهاحلا سحريا هو طلاق الخلع؛ حيث تدفع المرأة لزوجها مقابلا -يحدد الزوج
  قيمته- عن قبوله للطلاق. إنه ليس جبرا للضرر بعد الطلاق. إنه مقابل يأخذه مقابل التنازل عن
  حقه الكامل في رفض الطلاق. المرأة لا تدفع هنا ثمن المتعة لأن أحدا لم يفكر إن كانت قد استمتعت
  بالفعل أم لا. ستدفع مقابلا ماديا لكي يتنازل الزوج ويقبل الطلاق.حين يقرر الزوج الطلاق -وحتى
  دون الحديث عن التطليق الذي لا يكون فيه للمرأة حول ولا قوة-، فهي تتسلم مبلغا ماليا يحمل
  دلالة أخرى: المتعة. مبلغ تتسلمه نظير "استمتاعه بها".
  قراءة سريعة لقوانين الأسرة والأحوال الشخصية في عدد من البلدان الإسلامية تبين أن بعض الدول
  (ومن بينها المغرب) تجاوزت إلى حد ما بعض القيم المهينة لكرامة المرأة في العلاقة الزوجية
  (التطليق، التعدد..). بلدان أخرى مازالت تكرس الكثير من أشكال التخلف. لكني في المطلق
  أتساءل: أليست كل هذه الأمور والتصورات المنغرسة في عمق وجداننا منذ قرون هي التي تجعل لنا
  هذه العلاقة الملتبسة بالزواج وبالآخر وبالمتعة وبالحب وبالجنس وبالجسد وبالطلاق نفسه؟ أليست
  هذه المقايضات وهذا التبضيع للجسد، حتى في العلاقة الحلال/المقبولة شرعا، هو من يحُول دوننا
  ودون التفكير في مؤسسة الزواج كشراكة حقيقية بين الرجل والمرأة؟ كيف يدفع الرجل صداقا
  للمرأة مقابل الاستمتاع الشرعي "بها"، ويدفع لها مقابلا عن "المتعة" بعد الطلاق؟ كيف تدفع
  المرأة لزوجها مقابلا لكي يوافق على الطلاق؟
  اعتبرت في حالات كثيرا أن الزواج في مجتمعاتنا، بصداقه وبمتعته وبمؤخر الصداق، ليس إلا دعارة
  مشروعة. دعارة حلال. دعارة معترف بها قانونيا. دعارة تجعل الرجل يدفع للمرأة صداقا لكي يمارس
  معها الجنس بموافقة الجميع، ويكون من حقه أن يسترجعه إن لم يبنِ بها، إن لم يمارس معها
  الجنس... دعارة تجعل الرجل، حين يقرر الطلاق من زوجته، يدفع لها مقابلا عن المتعة. لأنها لم
  تكن يوما شريكته. لقد كانت فقط تلك التي استمتع بها لشهور أو سنوات...
  لا أفهم لماذا تقبل النساء، حتى المتعلمات والمتفتحات منهن، بهذا التبضيع؛ بل أن الكثير منهن
  يطالبن بإصرار بـ "حقهن" في الحصول على صداق مرتفع وعلى مقابلٍ مرتفع عن المتعة في حالة
  الطلاق. ولا أفهم أيضا لماذا لا تطالب الجمعيات النسوية والحقوقية بإلغاء الصداق والمتعة
  والخلع ومؤخر الصداق... كرامة المرأة ككائن حر له حرية التحكم في جسده تبدأ من هنا.

نشر هذا المقال في جريدة الصباح يوم الخميس 17 ماي 2012