الصوم وتقوى القلوب


أول آية قرآنية نزلت بفريضة الصيام قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة:183



وبيان هدف الصيام واضح من الآية الكريمة وهو محاولة الصائم أن يرقى إلى درجة التقوى فهدف الصيام بتحقيق توجيه الصائم قلبه بالإخلاص وبالصدق ولعقله بالذكر وبالفكر ولقوله وعمله بالسداد وبالرشاد إلى الله وحده دون اغترار بصيامه ولا زهوا ومباهاة كل ذلك من الرجاء الصادق والدعاء الدائم أن ينعم الكريم بالرحمة والقبول .



فالاتقاء بمعناه المطلق موجود في الصيام الصحيح المشار إليه في قوله : ‘الصوم أو الصيام جنة’ وفي حديث آخر



‘الصيام جنة وهو حصن من حصون المؤمن’ فالصيام اتقاء مطلق عام بدون تقييد ولا تخصيص .



ثم تتوارد الأحاديث النبوية في تفضيل ما سلف من إطلاق وتعميم فأوضحت أن ‘الصيام من جنة من النار’ في رواية النسائي ، وأن ‘الصوم جنة من عذاب النار’ في رواية البيهقي وأن ‘الصوم جنة يستجن بها العبد من النار’ كما في رواية الطبراني .



وتقوى القلوب متحققة في الصيام من عدة وجوه فالصوم تعظيم لشعائر الله  ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج: 32] . كما أنه يخلو من الرياء وهذا أما أكدت عليه عدة أحاديث قدسية الصيام لي وأنا أجزى به ’ وفي حديث نبوي ‘الصيام لا رياء فيه’ قال تعالى ‘هو لي ، وأنا أجزي به ، يدع طعامه وشرابه من أجلي’ .



هكذا يضحي الصائم المسلم بطعامه وشرابه وشهواته صابرا محتسبا لا يرجو إلا الله تعالى .



وكي يبغ المسلم الصائم مرتبة  لعلكم تتقون عليه أن يكون محاذرا ومراقبا فقد سأل الفاروق عمر رضي الله عنه أبي بن كعب عن التقوى فقال له :



أما سلكت طريقا ذا شوك ؟ قال : بلى : قال : ما عملت ؟ قال : شمرت واجتهدت قال : فذاك التقوى



وهذا تفسير عملي فكرة متكاملة عن التقوى كما يعطي الوسيلة إليها فهي حساسية في الضمير وصفاء في الشعور وشفافية في النفس ومراقبة دائمة لله تعالى وحذر من نكاله وعقوبته وتجنب للمعاصي والآثام وكما أن للطريق أشواكا ضارة تؤذي من تعرض لها ولم يشمر ثوبه منها فكذلك طريق الإيمان تنبت على جنباته الذنوب والآثام وتتوزع الرغائب والمطامع والمطامح كما تنبت على هذا الطريق مطالب المال والجاه والشهرة ومظاهر العظمة والسلطة ومغريات الأعراض التافهة وكلها تعترض طريق السالكين إلى ربهم سبيلا وهي المقصودة بقوله 



‘حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات’ فطريق الجنة يحتاج إلى جهاد ومثابرة كما يحتاج إلى توق وتشمير حتى تنجو من أخطاره وتسلم من أضراره .



فالتقوى بهذا المفهوم الأوسع تؤلف بين قلوب المؤمنين وتطبعهم بطابع الإيمان وتقودهم إلى غاية واحدة وتشيع في المجتمع فضائل الإيثار والتراحم والتعاطف والعدالة ولن تجد أعمق من هذه الروابط في تقوية بناء الأمة الإسلامية كل هذا ليتحقق قوله تعالى  لعلكم تتقون وهكذا خاطب الله عبادة المتقين



 وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [الأعراف:96]



إن الإيمان بالله وتقواه ليؤهلان ليفيض من بركات السماء والأرض ، وعدا من الله ومن أوفى بعهده من الله والحياة التي تسير متناسقة متوازية تتحرر من الهوى والطغيان البشري وتسير سيرة صالحة فإنها تستحق مدد الله وتستحق رضاه وتعمها البركة والخير .



اللهم اجعلنا من المعظمين لحرماتك الفائزين بهباتك الوارثين لجناتك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين