الفتى الذي حيـّر أميركا

أميركان آيدول أو معبود أميركا American Idol هو اسم البرنامج الذي يقوم منذ أعوام بتجهيز منافسات بين شباب الولايات المتحدة الأميركية على كافة إنتماءاتهم داخل مسابقة فنية، الرابح فيها يكون هو الأميركان آيدول، أو معبود الجماهير في أميركا، والتقييم يتحدد حسب لجنة من المحكمين هم في الأصل فنانون لهم شهرتهم، كذلك هناك عامل التصويت الذي يحدد إستمرار أو خروج أحد المتنافسين من المسابقة، ويشهد الموسم الحالي من البرنامج ظاهرة جديدة أثارت الشباب الأميركي الذي إنقسم إلى مهووس بها ومعارض لها... الظاهرة كانت ذلك المنافس الأسمر ذا السبعة عشر ربيعًا سانجايا مالاكار.

وتأتي غرابة الاسم من أصله الهندي حيث أن والد سنجايا موسيقي هندي المولد، يعيش حاليًا هو وزوجته الإيطالية الأصل وأبناؤه كأسرة أميركية في سياتل في واشنطن. أما الابن المراهق فبدأت قصته مع أميركان آيدول في بداية الموسم الحالي، حيث كان قد أتى برفقة أخته الكبرى ليدخلا معًا حلبة المنافسات ضمن آلاف الشباب من المحبين للموسيقى والغناء والرقص، ونجح الأخ وأخته في المرحلة الأولى، إلا أن أخته خرجت فيما بعد من المنافسة باكرًا لتتركه يثير الجدل طوال الأسابيع الماضية، حتى وصل في الأسبوع الماضي أن يكون ضمن أفضل تسعة متنافسين تقدموا للمنافسة هذا الموسم.

ربما كانت جاذبية سانجايا وابتسامته العريضة هي ما جذب أفئدة الشباب تجاهه، وهو ما جعل التصويت الإلكتروني ينحاز إلى صفه في كل أسبوع من التصفيات، غير أن الإعجاب قد تخطى حواجزه ليتحول إلى مرحلة من الهوس... فتكفي زيارة إلى موقع تكنوراتي للتعرف إلى أكثر الموضوعات التي يبحث عنها آلاف الشباب في مدوناتهم، لنجد اسم سانجايا ضمن قائمة أكثر الكلمات بحثًا هناك، وتكفي جولة على مدونات الشباب الأميركي للشعور بحجم تأييد بعضهم له، حتى أن بعض محبيه قاموا بتأسيس موقع له مستوحىً من اسمه فانجايا Fanjaya.com، وكل يوم يزداد عدد أعضاء الفانجايا وكأنهم أتباع فرقة دينية جديدة.

وأصبحت عناوين الصحف الأميركية والعالمية تتحدث عن سانجايا قبل أن تتحدث عن برنامج أميركان آيدول نفسه، حتى أن وكالة رويترز رغم رصانتها كتبت بعد تصفيات يوم الأربعاء الماضي التي أسفرت عن خروج إحدى المتسابقات أن سانجايا يتقدم بسهولة في الأميركان آيدول. وهكذا أصبح هذا الفتى هو محور البرنامج ونجم عناوين الصحف والأخبار، وعلى ما يبدو إن حكام البرنامج أصبحوا هم الآخرين مقيدين إلى جاذبية الفتى، فرغم أن أحد حكام المسابقة وهو سيمون كويل قد ذكر أنه سيترك المسابقة إلى الأبد في حالة فوز مالاكار في التصفيات، إلا أن الجمهور قرر عبر التصويت إبقاء الفتى الأسمر الذي يبدل مظهره كل أسبوع في إطلالة جديدة على المسرح .

لم تكن أخته شيامالي التي لم تتجاوز العشرين بعيدة عن الأضواء طوال الأسابيع الماضية، فهي الأخرى كانت تحلم منذ البداية في الظهور من خلال البرنامج نفسه لكنها لم توفق، غير أن شهرة أخيها وهوس العديد من الشباب قد أفادها كثيرًا في الفترة الأخيرة، فيدور بين المنتديات والمدونات الآن لقطة لها إشتهرت مؤخرًا على موقع يوتيوب للفيديو وهي تشجع أخاها سانجايا بطريقة مثيرة نالت مئات التعليقات من رواد الإنترنت، وبدأ الشباب في الإنقسام بين من يعلن أنه وقع في غرام الفتاة ذات الملامح الهندية، وبين متهكم يذكر أن سانجايا قد تقدم في التصويت بسبب أخته المثيرة، وعلى ما يبدو إنها هي الأخرى تحاول الإستفادة من شغف الناس باسم مالاكار، فقد زار صفحتها على موقع ماي سبيس مئات المعلقين في الأيام الأخيرة، وبدأت صورها تنتشر أكثر داخل وسائل الإعلام وعلى صفحات الانترنت، ويبدو أن الفتاة الجامعية قد أعدت مزيدًا من الإثارة بصورة جديدة نشرتها منذ أيام تحمل الكثير من التعري لأجل مزيد من الشهرة.

على جانب آخر يتعرض سانجايا مالاكار لنقد حاد وهجوم متواصل من شباب وصحافيين وإعلاميين، متهمين إياه بأن أداءه ضعيف جدًا على المسرح، وأن كثيرين ممن خرجوا من التصفيات كانوا أفضل موهبة ويستحقون البقاء مكانه، أحد تلك التعليقات كانت على مدونة سانجايا نفسه في موقعه حيث سجل أحد المعلقين رأيه موجهًا كلامه إلى الفانجايا من معجبين النجم الشاب: أنا أفهم سبب إعجابكم بسانجايا، هو ظريف، و(.....)، ويذكرني بمايكل جاكسون، وإن كان لا يحمل ربع موهبته،... توقفوا عن الحلم بأن سانجايا سيفوز.
لم يكن صاحب التعليق الحاد السابق سوى معبر عن شريحة أخرى عريضة ترفض وجود سانجايا في المسابقة، ففي أحد المدونات كتب أحدهم تحت اسم كمبرلي رجاء أميركا.. سانجايا يجب أن يرحل، مغنون كثيرون كانوا أفضل منه لكنهم تركوا المسابقة ورحلوا، ويضيف أرجو أن تدرك أميركا أن الفائز سيمثل الولايات المتحدة، هل نحن فعلاً نريد أن يمثلنا سانجايا؟

الخطوة الأكثر قوة كانت عند موقع صوت للأسوأvotefortheworst.com، وهو الموقع القائم منذ 2004 على فكرة تحفيز الجمهور ضد المتسابقين الذين تمررهم لجنة التحكيم من التصفيات وهم لا يستحقون الوجود ضمن المنافسات، واختارت سانجايا كهدف الآن تحشد ضده الجماهير.
ويرى بعض النقاد أن النقد العنيف الذي يوجهه الإعلام لهذا الفتى قد زاد من تعاطف الكثير من الشباب معه خصوصًا النقد الذي توجهه لجنة تحكيم البرنامج، لكن في النهاية يرى بعض الصحافيين أن كل ذلك يصب في مصلحة منتج البرنامج، هكذا كان رأي أوجين روبنسون في عموده في جريدة الواشنطن بوست الأميركية.

سانجايا في اللغة السنسكريتية تعني الفخر لمجتمعنا، وربما قد حقق ذلك الفتى الكثير من الفخر للأميركيين ذوي الأصول الهندية وللشباب من الأقليات العرقية في أميركا بوجه عام، ورغم أن سانجايا المولود في عام 1989 من سياتل في واشنطن وتنقل بين ولايات أخرى ككاليفورنيا وهاواي، إلا أن ملامحه واسمه وأصول والده الهندية كانت الملمح الأشهر في هذه المسابقة، وربما كانت عائقًا في تقبل بعضهم له أحيانًا، لكنه رغم ذلك نجح في أن يكون نجم المسابقة قبل تتويج نجم البرنامج رسميًا، ولعل قصة هذا الفتى الذي حير قلوب الأميركيين تدفعنا إلى التساؤل عن تلك التجربة وهل هي ملمح أميركي يروج للتنوع في الثقافات، وهل بالإمكان أن نرى مثل تلك التجارب في بقاع أخرى أو أنها تجربة أميركية خالصة ذات أبعاد ثقافية وتجارية؟ هل يمكن أن نرى في يوم من الأيام شابًا من أصول هندية في مسابقة على النمط نفسه داخل وطننا العربي...؟ ربما من الصعب حدوث ذلك .