القرار المر لنساء الفلوجة: لا إنجاب بعد اليوم!


في العمليات العسكرية التي شنها الاحتلال الأمريكي على مدينة الفلوجة العراقية عام 2004 سقط مئات الأطفال صرعى أمام أمهاتهنّ اللاتي عزين أنفسهن بأن الله سيثلج صدورهن بمواليد جدد يعوضن الأحباب الراحلين.. لكن.. على خلاف بقية نساء العالم، قرر عدد غير قليل منهن أن يتخلين عن هذا الحلم وأن يتوقفن عن الإنجاب بمحض إرادتهن.


هذا حال عدد غير قليل من نساء مدينة الفلوجة العراقية رصدته رسالة عراقية - بريطانية إلى الأمم المتحدة جاء فيها أن نساء المدينة "أصبحن يشعرن بالهلع والخوف من الحمل والولادة، وقررن إيقاف الإنجاب؛ رحمةً بأنفسهن وبالمواليد الذين باتوا يخرجون للحياة بتشوهات صادمة تودي بمعظمهم بعد وقت قليل إلى القبور".



وبحسب الرسالة التي وقعها عدد من الأطباء والعلماء والحقوقيين العراقيين والبريطانيين، وأرسلوها قبل أيام إلى الدكتور علي عبد السلام التريكي، رئيس الدورة الـ46 للهيئة العامة للأمم المتحدة، فإن هذه التشوهات يعتقد بشكل كبير أنها نتيجة لاستخدام القوات الأمريكية أسلحة محرمة دوليا، منها اليورانيوم المنضب والفسفور الأبيض، في ضرب المدينة عام 2004 للقضاء على حركات المقاومة فيها.


ووفق ما نشرته الكاتبة العراقية هيفاء زنكنة في صحيفة "القدس العربي" فإن هذه الرسالة تم إعدادها بعد اتصالات أجراها موقعوها مع أطباء في العراق للتحقق من تقرير نشرته شبكة "سكاي نيوز" البريطانية في سبتمبر الماضي جاء فيه أن معظم مواليد الفلوجة بعد عام 2004 يخرجون إلى الحياة بتشوهات خلقية خطيرة، ومن هذه التشوهات، بحسب الشبكة البريطانية، الخروج للحياة بدون رأس أو برأسين أو بعين واحدة في وسط الجبهة أو بأعضاء ناقصة أو زائدة وأغلب هؤلاء يموتون بعد فترة قصيرة من ولادتهم، ومن يعيش منهم يكون معرضا بنسبة كبيرة للإصابة بأمراض السرطانية مثل سرطان الدم (اللوكيميا).


وأشارت رسالة الأطباء والعلماء والحقوقيين العراقيين والبريطانيين إلى أن شهر سبتمبر الماضي شهد وفاة 24% من المواليد خلال أسبوع واحد، وكان 75% من هؤلاء مولودين بتشوهات خلقية "غير مسبوقة".


وبمقارنة هذه الأرقام مع أغسطس 2002، أي قبل الغزو الأمريكي للعراق في مارس 2003، يتضح بشكل تام الفرق بين الحالين، فسجلات ذلك الشهر تبين أنه من 530 ولادة توفي 6 أطفال فقط في الأسبوع الأول مع وجود حالة تشوه واحدة.


وفي الاتجاه ذاته أكدت الناشطة الحقوقية العراقية، أسماء الحيدري، في تصريحات صحفية أنه قبل الغزو الأمريكي كانت هذه الظاهرة نادرة في الفلوجة، وبعد عام 2004 أصبحت الولادات المشوهة تسجل بمعدل حالة أو أكثر في اليوم بزيادة تقدر بـ 50%.


أسلحة محرمة دوليا


وتعرضت الفلوجة لحملة عسكرية شرسة من جانب القوات الأمريكية عام 2004، دمرت خلالها المدينة تقريبا عندما حاولت أن تخرج منها جماعات المقاومة التي كبدتها خسائر جسيمة في الأرواح.


وتحدثت منظمات حقوقية دولية وقتها عن استخدام قوات الاحتلال أسلحة محرمة دوليا، ومنها الفسفور الأبيض، مستشهدين في ذلك بنوعية الإصابات والتشوهات التي ظهرت في الكثير من أبناء المدينة خلال تلك الحملة وبعدها.


ونشرت شبكة "إسلام أون لاين.نت" نقلا عن مصادر بالمدينة في 10-11-2004 أن القوات الأمريكية استخدمت أسلحة كيماوية وغازات سامة على نطاق واسع في الفلوجة معقل المقاومة في ذلك الحين، كما كان للشبكة السبق في التنبيه إلى تأثير هذه الأسلحة على المواليد الجدد حين أجرى مراسلنا في العراق تحقيقا في فبراير 2009 نقل فيه شهادات من أطباء وأمهات تؤكد أن وجود مئات الحالات من التشوه والموت بسبب تغلغل الإشعاعات وتأثيرها على الجينات في جسد أهل المدينة، ومنهم الأمهات اللواتي أبدى بعضهن الندم على الإنجاب.

دفن 4 يوميا

ولفتت الرسالة التي وجهها عراقيون وبريطانيون إلى الأمم المتحدة النظر إلى أن ظاهرة التشوهات الواضحة في الفلوجة لا تقتصر على المدينة المنكوبة، ولكنها تتمدد كوباء سرطاني في جسد العراق ككل، ومن المدن الشاهدة على ذلك البصرة وبغداد والنجف.


وكدليل على هذا نقلت عن مسئول بإحدى المقابر في العراق أنه يدفن ما بين 4 إلى 5 أطفال كل يوم، معظمهم مصابون بتشوهات خلقية.

وعلى هذا الأساس طالب الموقعون على الرسالة الهيئة العامة للأمم المتحدة بأن تعترف بأن هذه الظاهرة "مشكلة حقيقية"، وأن تعين على هذا الأساس لجنة محايدة تقوم بإجراء بحث شامل في هذا الملف وأن تشرع في تنظيف العراق من المواد السامة التي استعملتها القوات المحتلة بما فيها اليورانيوم المنضب والفسفور الأبيض، ومنع الأطفال والبالغين من دخول المناطق الموبوءة لتقليل التعرض لهذه المهالك.


وبالرغم من عدم حديث الجهات الرسمية عن هذه المشكلة وأسبابها فإن تحقيقات من داخل العراق أجراها مراسل "إسلام أون لاين" في فبراير الماضي، وكذلك شبكة "سكاي نيوز" البريطانية في سبتمبر الماضي نقلت عن شهود عيان من الأطباء المعالجين وأولياء الأمور وأهالي المدينة أن هذه التشوهات من آثار الأسلحة المحرمة دوليا التي استخدمها الاحتلال الأمريكي في ضرب مدينتهم عام 2004.


ومن بين الموقعين على الرسالة: الجراح البريطاني المعروف دافيد هالبن، والمهندسة الكيماوية العراقية ملاك حمدان، والطبيب المختص كريس بيرنز كوكس، والدكتور هيثم الشيباني المختص بعلوم البيئة، والمعماري نيكولاس وود، والدكتورة نوال السامرائي، وزيرة الدولة لشئون المرأة العراقية سابقا.

وفي عام 2005 اعترف مسئولون بوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) باستخدام الجيش الأمريكي قذائف الفسفور الأبيض الكيماوية السامة خلال هجومه على مدينة الفلوجة ضد المقاومين، بيد أنهم أنكروا أن تكون تلك المواد استخدمت ضد مدنيين.
__________________


الخميس, 05 نوفمبر, 2009 08:49