تحقيق: الأدب وقلة المال في زمن المال وقلة الأدب!

كتبه: سامي الجارالله

الرباط الموثوق بين الـتحت والـفوق

<?XML:NAMESPACE PREFIX = O />

قد لا يختلف اثنين على شطحات الشاعر أحمد فؤاد نجم، التي ودَّته بداهية في عهد الرئيسين المصريين جمال عبد الناصر لأكثر من مرة وأنور السادات كذلك، عندما سجن وعاش أكثر من 18 عاماً خلف القضبان، وهذا الأحداث السياسية لم تلغِ الحضور الأدبي المميز لهذا الشاعر الثوري حتى على نفسه، فقد صنع لشعره شخصية مميزة يصعب تقليدها، وعندما يذكرون رواد الشعر المحكي في مصر وربما العالم العربي فلا بد أن يقفز اسم الفاجومي أحمد فؤاد نجم، وهذا التميز لم يستطع نشله من تحت أنقاض الفقر، فما زال يسكن غرفة فوق السطوح، تعكس حالته ونصيبه من كل هذا التاريخ المليء بالأحداث والقصائد التي تمثل بصمات في فترات مختلفة، وعلى ذكر النصيب والتاريخ فقد توِّج أحمد فؤاد نجم أخيراً كسفيرٍ للفقراء حول العالم!.

ظاهرة حراج الأديب المحتاج

ما زلنا نقرأ بين يومٍ وآخر عن أديب يعلن عن رغبته في بيع أحد ممتلكاته؛ مقاومة لضائقته المادية ورغبة في سد حاجته دون اللجوء إلى مد يده والتسوُّل من هذا وذاك، فلا نتعجب عندما يملأ الحزن صدور كل المنتمين إلى الوسط الأدبي الخليجي ومتابعيه، عندما يتصدر الصحف خبراً عن الكاتب المعروف جارالله الحميد (50 عاماً) يفيد بإعلانه عن رغبته في بيع مكتبته التي تحتوي على 3000 كتاب؛ وذلك بسبب الضائقة المالية التي يعاني منها، والتي لم تمكنه من إزاحة حمل الديون المتراكمة على كاهله، إضافة إلى معاناته الجسدية والنفسية من بعض الأمراض، وجميع ما سبق لم يحرك ساكناً لدى الجهات الثقافية سواء الحكومية أو المؤسساتية الخاصة، ولكن السؤال الأهم: ألم يستطيع كل هذا التاريخ إلى خلق دائرة أمان تحيط بمثقف معروف كـجارالله الحميد؟. الأمر لم يقف عند الممتلكات الخاصة –وربما لن يقف أيضاً- فقد تلقينا منذ فترة ليست بالبعيدة نبأ إعلان الشاعر والكاتب الجزائري أبو بكر زمال عن رغبته في بيع إحدى كليتيه؛ ليتمكن من دفع إيجار منزله، فهو الرافض لأي استعطافٍ كان من أي شخصٍ كان، لذا أيدته عائلته لهذا القرار الصعب الذي يبيع من خلاله جزءاً من جسده، ليعوض نقص جزءاً من حياته، رغم أنف بطالته، عوزه، والعشر سنوات التي ظل يعاني فيها من وضعه المالي المرير.

هذه السوق المجروحة أخذت صيتاً كبيراً، دفع الكثيرين إلى دخولها ومنهم الكاتب والباحث الفلسطيني محمد صبحي السويركي، الذي عرض اسمه للبيع مقابل مساعدة أسرة فلسطينية في غزة، رهنت بيتها وأنفقت كل أموالها لعلاج ابنها على مدى أكثر من عشرة أعوام، حيث تفوق قيمة أدوية الابن في بعض الأحيان الـ700 دولار في الشهر الواحد، وقد اتفق مع العائلة على أن يستفيدوا من اسمه بالطريقة التي يرونها مناسبة، مقابل الحصول على مبلغٍ كافٍ لإخراجهم من ورطتهم.

وصول العز على طريقة هز يا وز

ما زال كل أديب يحلم ليلاً ونهاراً ليبلغ المجد ويحفر اسمه على جدار التاريخ، وينتظر من نتاجه الإبداعي المطروح في الأسواق أن يلقى رواجاً كبيراً، وأن تنفد نسخ كتابه أو ديوانه من جميع المكتبات، حتى يصل إلى كل الناس ويشتهر اسمه، ويعود جهده عليه بربح يجفف عرق فكره وروحه، بينما في المقابل لا تجد الفنانة هيفاء وهبي وزميلاتها الحسناوات وقتاً للنوم حتى تكون هناك فرصة لـحلم عابر، فقد بلغ أجرها عن الحفلة الواحدة 60 ألف دولار أمريكي، وعندما نوَت أن تدخل عالم السينما كان أجرها هو الأعلى في تاريخ السينما المصرية، حيث عليها المنتج المصري محمد السبكي 600 ألف دولار أمريكي مقابل أداءها دور البطولة في أحدث أفلامه، وتنضم إلى فريق هيفاء كل من: روبي التي تتقاضى 140 ألف جنيه مصري عن الحفلة الواحدة، نانسي عجرم ونوال الزغبي وأليسا بأجر 60 ألف دولار أمريكي عن الحفلة الواحدة، ميريام فارس ودوللي شاهين وباسكال مشعلاني بأجر 40 ألف دولار أمريكي عن الحفلة الواحدة، بينما تقبع في آخر القائمة بأجر بلغ 25 ألف دولار أمريكي عن الحفلة الواحدة، وجميع الأسعار أعلاه تخص عام 2007 فقط، والقادم أدهى.

الجزء المفقود في كسب النجاح والنقود

الأرقام السابقة التي قد تكون فلكية لدى البعض، لا تؤثر سلباً على المتلقي الواعي والأديب الناضج، حيث باستطاعة الأدب أن يفتح يوجِد أرقاماً تتجاوز خانة عشرات الآلاف، وقد ثبت هذا الأمر كثيراً لدى الغرب، فهذه رواية شيفرة دافنشي للمؤلف الأمريكي دان براون والتي نشرت عام 2003، حققت مبيعات كبيرة تصل إلى 44 مليون نسخة، وقد صنفت على رأس قائمة الروايات الأكثر مبيعاً في قائمة صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، وتم ترجمة الرواية إلى 44 لغة حتى الآن.

ويشاركه نفس النجاح الروائي البرازیلي باولو كويلو صاحب الرائعة العالمية الخيميائي، الذي قام أكثر من مرة بجولة حول العالم بتوقيع رواياته وترويجها، وكانت مدينة دبي إحدى محطاته مرتين، الأولى من أجل رواية الزهير والثانية لـساحرة بورتوبيللو. ويعد كويلو من أهم الكتاب المعاصرين وأكثرهم تأثيراً في العالم, وكتبه تلقى رواجاً هائلاً, فقد وصلت مبيعاتها لأكثر من 86 مليون نسخة، فيما يقرب من 150 دولة حول العالم، وترجمت أعماله لأكثر من 66 لغة, وقد بقيت رواية الخيميائي، وفقا للمجلة العالمية Publishing Trends، واحدة من أفضل عشرة مبيعات عالمية للعام 1998م. وبعد هذين المثالين لابد أن يظهر سؤال ما: هل الأديب العربي عاجز عن وصول هذه المرتبة من الانتشار والنجاح عالمياً؟.

ربما تكمن الإجابة داخل تفاصيل عدة، تعد هاجساً لدى الأديب العربي، وكما ضربنا الأمثلة بروائيين غربيين سنأتي بروائيين عرب، فلا تخفى على أي متابع الضجة الكبيرة التي أثيرت حول رواية عمارة يعقوبيان للروائي الدكتور علاء الأسواني، والجدلية التي خلقت تناحراً فكرياً بين التيارات المختلفة في مصر وخارجها، إلا أنه على الرغم من ذلك كان هناك خط رواج موازٍ لهذه الضجة ساعد في انتشار الرواية وارتفاع مبيعاتها، مما أوصلها إلى فكرة تحويلها إلى فيلم، وقد تم تصويره وعرضه العام الماضي ببطولة جماعية لنجوم الصف الأول في السينما العربية، ولكن المعلومة التي قد تضيع بين هذي الخطين المتوازيين هي أن مؤلف هذه الراوية حصل على مبلغ مادي من المنتج لم يتجاوز 15 ألف جنيه مصري، مما دعاه إلى التصريح بعد تكرار ما حدث، معتبراً هذا استغلالاً واضحاً لنجاح روايته.

هذا المنتج لم يكن سوى فك أطبق على فك آخر وهو الناشر، وما بينهما اللقمة (المؤلف)، ولم يزل كثير من الناشرين يعتمد على إيهام القارئ بالنجاح المتفرد للرواية التي ينشرها، من خلال طرح طبعة ثانية ومن ثم ثالثة وهكذا، بمحاولة إخفاء كمية كل طبعة، حيث من الممكن ألا تتجاوز كل منها 1000 نسخة فقط، دون استبعاد أن تكون نصفها مخصصة لـالإهداء الشخصي!

الروائي الأسواني بعد ما حدث له في عمارة يعقوبيان، اعتبر ذلك درساً واهتم كثيراً بروايته الأخيرة شيكاغو، التي طرحت في يناير من هذا العام، وبلغ عدد طبعاتها حتى شهر أغسطس الماضي ثمانية طبعات!.. وانتشر أخيراً خبر مشروع تحويلها إلى فيلم سينمائي من قبل ناشرها دار الشروق!!. ولعل المثال الثاني صعدت إيجابيته على أكتاف سلبيته، والمتمثل في رواية بنات الرياض للروائية رجاء الصانع، التي استفادت من ملامستها للخطوط الحمراء في كشف تفاصيل المجتمع السعودي الدقيقة، إضافة إلى الدعم اللوجستي من الوزير الأديب الدكتور غازي القصيبي، الذي كتب لها مقدمة هذه الرواية، وكان رواجها من خارج مصدرها، حتى فسحت أخيراً وطرحت في المكتبات السعودية، وقد اغتنمت رجاء الضجة التي أحدثتها الرواية في الوسطين الاجتماعي والأدبي، ومن ثم انطلقت إلى العالمية بعد ترجمة الرواية إلى اللغة الألمانية لتحتل بنات الرياض المرتبة الثامنة في قائمة أفضل عشرة كتب (توب تن)، بعد أسبوعين فقط من طرحها في المكتبات الألمانية.

باب ثاني:

بعد قرار إنشاء المجالس البلدية في السعودية كخطوة انتخابية أولى للمجتمع، تنوَّع المُرَشَّحون لعضوية المجلس البلدي، وطبعاً كلٌ كان له أدواته في جذب المُرَشِّحين الذين سيتوجون رحلة انتخابه بالفوز وكسب العضوية، وهنا كان الشِّعر الوسيلة الجماهيرية الأبرز، فوجدنا الشعراء يتقافزون من مخيَّمٍ لآخر من أجل إحياء أمسية داعمة لهذا المرشَّح مقابل مبلغ محرز يحصل عليه، وهكذا أصبحت العلاقة بين القيمة الأدبية والمادية عكسية، فكلما ارتفعت المادة قلَّ الأدب !

شكرا كتير الك يا اسراء على هالموضوع كتير جميل