تكريم شاعر صديق

صبيحة يوم الخميس 14 شباط (فبراير) الجاري، في المركز الثقافي العربي، بشارع أبي رمّانة، في العاصمة السوريّة دمشق، التقي جمهور فلسطيني سوري، ضمّ شعراء وقصّاصين وروائيين وصحافيين، ومواطنين فلسطينيين وسوريين، في لقاء امتدّ من الساعة الحادية عشرة حتّي الساعة الثانية تقريبا، بعضه تواصل تحت المطر علي الرصيف، فاختلطت الدموع بحبّات المطر، ولم تبرد العواطف والانفعالات رغم برودة الجو.
بعد الرحيل عن بيروت في العام 82 ندرت لقاءات الفلسطينيين الثقافيّة الحميمة، فالخلافات السياسيّة بترت علاقاتهم، ومزّقت مشاعرهم، وأحلّت في الصدارة نجوم التصريحات للفضائيّات، وغيّبت مبدعيهم، وعتّمت علي كثير من منجزاتهم في حقبة التناحر علي الوهم .
صبيحة الخميس أعادت شيئا من الوهج للعلاقة، والحضور، وجمال العلاقة، وأصالتها، ولذا فاضت الدموع، ودوّي التصفيق، واستعاد المبدعون بعضا من وهجهم، وهم يكرّمون صديقا وأخا لهم هو الشاعر خالد أبوخالد...
من رام الله حضر مدير بيت الشعر مراد السوداني حاملاً عشرات النسخ من الأفعال ـ بالضبط الأفعال، لا الأعمال ـ الشعريّة للشاعر خالد أبوخالد، في ثلاثة مجلدات، صدرت عن بيت الشعر، في طبعة أنيقة فيها تكريم للشعر بما هو فّن جميل، وللشاعر الذي تماهت حياته الشقيّة النبيلة الشجاعة بالشعر.
سمعت بالشاعر خالد أبوخالد في العام 64 عندما تفجّرت حملة عليه بسبب قصيدته (علي الصليب)، نقلت وقائعها آنذاك مجلّة (الآداب)، انتهت بـ(طرد) خالد من الكويت.
الشاعر الذي طرد من الكويت، بتهمة نكران الجميل للبلد الذي آواه، ومنحه إقامة مؤقتة للعمل، كان نجما تلفزيّا آنذاك، بجهده الخارق، وعناده، وإرادته الجبّارة، هو الابن الوحيد للمجاهد القسّامي الذي استشهد عام 1938، مخلّفا ابنا لمّ يبلغ الثانية بعد، ثمّ لتعني به الأم الشجاعة هو وشقيقته الأكبر منه بعامين.
لم يتم خالد تعليمه الابتدائي، إذ كان عليه وقد اشتد عوده وبلغ الثانية عشرة أن يتصرف كرجل، ويتحمّل عبء القيام بأود الأسرة، فالأم أرهقت بعد مشوار رعاية خالد وشقيقته، وصون كرامتهما.
تنقّل خالد من صبي نجّار، إلي سائق تراكتور، إلي عامل سنترال في شركة بالكويت، مثقفا نفسه في كل الظروف، متقنا اللغة الإنكليزيّة من خلال تواصله مع الموظفين البريطانيين، و.. شاعرا، و.. نجما تلفزيونيّا يعد برنامجا ثقافيّا يتابعه المثقفون في الكويت، وجنوبي العراق.. البصرة وما حولها.
وإذ يطرد من الكويت يلتحق بالتلفزيون السوري، ويتألق في تقديم برنامج ثقافي، ثمّ في أيّام حرب حزيران (يونيو)، بطلّته مباشرة في الاستوديو، وهو يرتدي الكاكي، ويحمل البندقية الكلاشنكوف، حّاضا علي المقاومة، ومقاتلة العدو، وإلحاق الهزيمة به، وتحرير فلسطين.
وإذ تنتهي الحرب بهزيمة منكرة، لا ينكسر، ولا يخلع الكاكي، بل يتوجّه إلي أغوار الأردن، مبشّرا بحرب الشعب طويلة الأمد، ذلك أنه لم يعد أمام الشعوب العربيّة سوي الاعتماد علي قوّتها الذاتيّة.
اختير خالد ليكون من أوائل من انتدبوا للسفر إلي فيتنام لتعلّم أسس ومبادئ تجربة حرب الشعب هناك، ولمّا عاد رأي أن يطبّق ما تعلّمه، ولكن الفوضي، والارتجال، وضيق الأفق، والاستزلام، والجهل، كانت له بالمرصاد، فبدأ في تنبيه من حوله من الشباب الصادقين المتحمسين إلي بذور الخراب والفساد، والمخاطر التي تتهدد مسيرة الثورة.
لمّا حضر الكاتب والشاعر الفرنسي جان جينيه إلي الأردن، للاطلاع علي التجربة الفلسطينيّة التي اجتذبته، واختار العيش في قواعد الفدائيين، والمخيمات، التقي بالشاعر خالد أبوخالد، وسمعه يغنّي بصوته العريض الأجش، ويقود الفدائيين بروح الشاعر، ونبله، وإنسانيته. افتتن جينيه بشخصيته، وقد عبّر عن إعجابه هذا إلي حد أسطرة شخصية خالد، في كتابه (أسير عاشق)، الذي ترجمه بجمال وأناقة الشاعر العراقي كاظم جهاد.
بعد خروج الثورة الفلسطينيّة من الأردن عام 71، التقي جان جينيه بعرفات، وبشفافية وبراءة نقل إليه ما سمعه من خالد أبوخالد من نقد للقيادة، ودعوة للثورة في الثورة، فما كان من أبي عمّار إلاّ أن أمر بحبس خالد في سجن الهامة، مع شن حملة افتراء عليه من بطانة السوء المنافقة، بقصد قطع دابر أي نقد، وإخراس الأصوات التي بدأت ترتفع مدينةً مسيرة الارتجال، والاستزلام، والخطاب السياسي السطحي العاجز عن حمل قضية فلسطين بعمقها العربي والإنساني.
بعد خروجه من السجن حزن خالد كثيرا، واعتكف في بيته بضاحية (المزّة)، ثمّ شرع يكتب قصائد مجموعته المتميّزة (تغريبة خالد أبوخالد)، ومنها قصيدة: عنترة، والمهلهل، و...
وهو كأنما ينشد لنفسه ابتدأ قصيدة (عنترة):
واقف واقف عنترة
شرّش الرمح والسهم في الخاصرة
استعاد خالد صوته، وحضوره، وتماسك في وجه مرحلة السقوط، وكان الشعر هو سنده الروحي.
كنّا آنذاك نكتب ونقرأ لبعضنا في جلسات خاصة، ونتحاور حول نصوصنا، وتتسع صدورنا للنقد والاختلاف، ونطرح علي أنفسنا أسئلة فنيّة هي تحديات نري أن علينا وعيها، لنكون قادرين علي ترجمتها فنّا، فلا مجاملات بيننا.
كتب خالد أبوخالد مسرحيّةً واحدة هي مسرحية (فتحي)، والتي عني بها (فتح)، وضمّها المجلّد الثالث من الأفعال الكاملة.
كان أبوخالد يقرأ لنا مقاطع منها، ويمثّلها أمامنا، وكان طموحه أن يكتب لمسرح (شعبي)، ينقل بالحكاية تجربة شعب فلسطين، ويخاطب وعي هذا الشعب الذي طالما نكب بقيادات قصيرة النظر، وبأفّاقين تلاعبوا بمصيره.
خالد أبوخالد ربّما خلق ليكون ممثّلاً مسرحيّا، يكتب نصوصاً لنفسه، ويعيشها علي المسرح، بعد أن يعيشها ويعايشها في الحياة.
لو رأيته يمشي في شوارع مدينة عربيّة ما، لقدّرت أنه وفدَ إليها من مكان قصي، هبط إليها من الجبال، يرتدي فروته، ويمضي لهم يشغله لا صلة له بهذه الشوارع، والأضواء، وكّل ما يزحم المدينة (شخصيته هذه قرأها، وتعمّقها جيّدا.. جان جينيه).
القادمون من رام الله: مراد السوداني، المتوكّل طه، يوسف المحمود، عبد السلام العطاري، كلّهم شعراء، حملوا أفعاله الشعريّة، ونحن وإياهم احتفينا به كما يليق الاحتفاء بالشعر والشاعر، الذي ولد عند قمّة أحد جبال فلسطين، عندما زرع والده الثائر محمد صالح الحمد (أبوخالد) بذرته في رحم أرض فلسطينيّة خصبة العطاء...
بإصدار أفعال خالد أبوخالد الشعريّة، وبهذا الاحتفال الحميم، دشّن المثقفون الفلسطينيون فعلاً خارج سياق السياسة الفلسطينيّة الراهنة، المفرّقة، الممزّقة، والتقوا ليعلنوا بدء استعادة دور غاب في السنوات العجاف.
في العام 74 أهداني أبوخالد مجموعته (وحاملاً سلاسلي أجيء) بالكلمات التالية: أن نصمد في المّد شيء عادي.. أن تبدأ في الطليعة شيء عادي.. أمّا ما هو فوق العادي فهو الصمود في مرحلة الجزر، حيث يسيطر القتلة، وقطّاع الطرق.. تلك هي البطولة التي حاولت أن أعبّر عنها...
في تلك الصبيحة احتفت كلمات: مراد السوداني، المتوكّل طه، الدكتور حسين جمعة رئيس اتحاد الكتّاب العرب (السوريين)، والروائي حسن حميد، وعبد الكريم الناعم الشاعر السوري، و..أنا، بصديقنا خالد...
وكانت ياسمينة الاحتفال الدكتورة الشاعرة بيسان أبوخالد (ابنة خالد...).
في احتفالية خالد أبوخالد اتفقنا علي أن ننشئ جسورا للتواصل بين مبدعينا في الداخل والشتات، فالثقافة ليست مؤسسة رسميّة، ولكنها فعل وإبداع، وهذا هو العنوان والجوهر لاحتفالنا بالشعر والشاعر...
هذه الاحتفاليّة هي دعوة لعودة المثقفين الفلسطينيين لأخذ دورهم الغائب، فالسياسي أفسد كلّ شيء، ويوشك أن يضيّع كلّ شيء...

رشاد ابو شاور- القدس العربي