جئتم متأخرين!

في القرن التاسع عشر الميلادي بدأ مشروع الحداثة ، أو ما يسمونه ( التجديد ) ، وبدأت تدخل على الأمة أفكار جديدة مثل الوطنية و ( تحرير المرأة ) ، والأحزاب السياسية .. إلخ.

تلقت الدعوة إلى العلمانية قبولاً من الجماهير وذلك بسبب جرثومة الإرجاء التي نخرت في عظام الأمة ، فسَّهلتْ على الأمة تقبل العلمانية. وتلقت الدعوة إلى العلمانية قبولا بسبب أن الخطاب ( التجديدي ) انطلق من المؤسسة الدينية الأقوى يومها أعني الأزهر ، وفي شخص ( الشيخ ) محمد عبده الذي كان يعمل مفتيا في الدولة المصرية المحتلة وآخرون مثل ( الشيخ ) علي عبد الرزاق وغيره .

قد كان للأمر مبررات تقبلها الجماهير ، فالكل كان يتطلع إلى (الرقي ) و ( التحضر ) ... الخ كما هو الحال في أوروبا المستعمِرة .

ومضت السنون ولم تحصل الأمة على شي مما تكلم به المثقفون ... دعاة ( الإصلاح ) ، والعسكريون ... ( الثوار الأحرار ... العرب الأمجاد ) . وفشلت كل مشاريع ( الإصلاح ) على أرض الواقع فلا اتحد العرب ، ولا تقدمت الشعوب وارتقت . ولا استطاعت العلمانية أن تثبت فكريا فضلا عن عمليا .
وها نحن نشهد من جديد ( عودة الحجاب ) في مصر التي بدأ فيها المشروع التغريبي ، رغم أن العصا غليظة ، وهاهي الجماهير تقف كلها مع التيار الإسلامي في كل الدولة الإسلامية والعربية منها على وجه الخصوص ، وها هي الجماهير تتعاطف مع ما يحدث في العراق وأفغانستان والشيشان وتكسر بذاك الحواجز الجغرافية المصطنعة . بما يعني أن المشروع ( الإصلاحي ) لم يعد يصلح . بعدما كذََّبَه الواقع وانكشف عواره أمام الجماهير .

وبعد كل هذه الآيات البيِّنات على فشل المشروع التغريبي ... أو كما يسميه أصحابه ( التجديدي ) .. ( الإصلاحي ) . نجد أن بعضا قاموا يعيدون الكرة من جديد ، ويطالبون بحرية المرأة في التنقل والسفر للخارج ، وأن التفسخ والعري هو رغبة ( بنات البلاد ) ، وأنه تسلط الرجل . وإلى متى ؟ ... إلى آخر هذه الشنشنة القديمة .
ونقول لهؤلاء جميعا : جئتم متأخرين .
فقد فشل أسلافكم في مصر وتونس والشام ، ولفظتهما الجماهير . .
جئتم متأخرين فقد شبّت الصحوة وأصبحت فتية ، وها هي الجماهير تنصت لشيوخ الصحوة هنا وهناك .
جئتم متأخرين فعدونا ـ الذي تدعوننا للمشي خلفه ــ اليوم على أرضنا يغتصب نساءنا ويقتل شبابنا ويشرب بترولنا ويأكل زرعنا ، ولم يأت بسبب الحكم الديني المتخلف كما تزعمون بل بسبب الحكم العلماني الذي إليه تدعون .
جئتم متأخرين وأسفر وجهكم وهو كالح يذكرنا بماضٍ أليم لم نجنِ من ورائه شيئا .
جئتم متأخرين ، وإنا نبشركم بخزي الدنيا وعذاب الآخرة ((إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النور : 19 ) ومن أصدق من الله قيلا ، ومن أصدق من الله حديثا ؟!