حياة الزرقاوي!

بالقرب من البيت يقع مسجد (الفلاح) وهو مسجد صبغ باللون الأخضر ويفخر به الخلايلة لكونه المسجد الذي شهد عودته إلى الإسلام كما يقول، ويفخر بما عمله الكثير من جيرانه في المنطقة التي كان يعيش فيها والذين يقدمون لك المشروب الحار مجانًا حينما تقول إنك هناك لتكتب عن الزرقاوي.

ولا يخفي الكثيرون ممن عاصروه في مدينته أنه خلال سنوات مراهقته وشبابه الأولى، كان الزرقاوي يشرب الكحول حتى الثمالة، ولديه تاريخ طويل من السرقات منذ أن كان في الخامسة عشرة حيث تحتفظ سجلات الشرطة الأردنية بحقائق عن كيفية سرقته لأحد المنازل العائدة إلى أحد أقاربه حيث قتل قريبه أثناء ذلك السطو. بعد هذا التاريخ بعامين وقبل تخرجه من المدرسة بعام واحد طرد منها. وفي عام 1989، قرر المغادرة إلى أفغانستان ومن هناك كانت بداية فصل آخر في حياته...

كانت تلك هي المرة الأولى التي يتواجد فيها الزرقاوي خارج الأردن في حياته، وكان عليه أن يغير كل شيء في حياة مليئة بالمغامرات الطائشة والعنيفة. وهناك في أفغانستان إلتقى بزوج أخته صالح الحامي ذي الملامح الإسلامية واللحية الطويلة والذي كان يعمل طيارًا لكنه أبعد من قبل السلطات الأردنية عن ممارسة مهنته، حيث يتحدث عن تلك المرحلة إلى أحد الصحافيين الأجانب بالقول إن خلال الفترة الأولى لبقائه في أفغانستان بين 1989 و1993 كان الزرقاوي قد إستقر على حدود خوست، والتي تحولت خلال تلك الفترة إلى منطقة عالية الأهمية بالنسبة إلى قوات المجاهدين المتقاتلة مع نظام نجيب الله الشيوعي بعد رحيل السوفيات وسحب الدعم الأميركي لكل أشكال مقاومة هذا التواجد.

في تلك الفترة، لم يكن يريد الزرقاوي القتال بل كان يريد أن يكون صحافيًا يكتب عمّا يحدث، إذ كتب تقارير صحافية لمجلة مجاهدين اسمها البنيان المرصوص، بينما كان الحامي نفسه مراسلاً لمجلة الجهاد التي كان يصدرها المجاهدون في بيشاور، ولكن يبدو أن الحظ قد تخلى عن الحامي حينما وضع ساقه في إحدى المرات على أرض سرعان ما إنفجرت ليفقدها: كانت تلك الحادثة قد حصلت حينما كان الزرقاوي يزور إحدى المستشفيات التي نقل إليها الحامي وهناك أصبحا صديقين حميمين، ويبدو أن الحامي نقل للزرقاوي في إحدى جلساتهما شغفه في تكوين عائلة وأطفال ولكنه تراجع وقال للزرقاوي: رجل بساق واحدة، من التي سترضى به؟. فعرض عليه الزرقاوي الزواج بإحدى شقيقتيه وقبل الحامي وتزوجا في بيشاور وفي شريط زواجهما يظهر الزرقاوي وهو يوجه كلمات إلى الجمهور الحاضر، وهي الصورة الوحيدة التي ظهرت له حتى نيسان (أبريل) 2006 حينما أصدر فيديو يظهر فيه وهو يستخدم السلاح والتدريب في العراء.

إنتقل الحامي إلى الزرقاء قادمًا من أفغانستان، وكان همه الأساسي رعاية عائلة الزرقاوي وعائلته بينما كان الزرقاوي ينتقل من أفغانستان إلى السجن في الأردن إلى افغانستان مرة ثانية ثم إيران ثم شمال كردستان وأخيرًا ليستقر في العراق.

يقول أحد عملاء المخابرات الأردنية: إذا كنت تريد فهم من هو الزرقاوي فعليك فهم كل الإنعطافات التي مرت بها حياته، سفره الأول إلى إفغانستان ثم الإنتقال إلى السجن بين عامي 1993 و 1999 ثم عودته إلى أفغانستان ثم الإنتقال إلى العراق. أما حذيفة عزام ابن الزعيم التاريخي للمقاتلين العرب، فإنه يصف الزرقاوي في لقائهما الأول في أفغانستان، قائلاً: كان شخصًا عاديًا ومقاتلاً بسيطًا ولم يبالغ في وصف نفسه، كان هادئًا ولم يكن يتكلم كثيرًا ولكنه كان شجاعًا لم يكن يعرف معنى الخوف، لقد جرح لخمس أو ست مرات في أفغانستان و العراق، وكان يضع نفسه في وسط أكثر المعارك قوة، كان يقاتل في خوست و كارديز وفي نيسان (أبريل) 1992، شهد بنفسه تحرير المجاهدين للعاصمة الأفغانية كابول، وكان الكثير من العرب قادة حقيقيين خلال هذه المرحلة بينما الزرقاوي لم يكن كذلك، كان كثير التدين خلال هذه الفترة، وفي الحقيقة كان الزرقاوي قد عاد إلى الإسلام قبل ثلاثة أشهر فقط من قدومه إلى أفغانستان.

ويضيف: كانت جماعة التبليغ هي التي أقنعته بالعودة إلى الإسلام بعد أن إرتكب 37 جريمة في وقتها، إقتنع أن عليه أن يحرر نفسه من كل خطاياه السابقة.

كانت المرحلة الثانية من تواجد الزرقاوي في أفغانستان أهم من الفترة الأولى، تلك الفترة التي تلت خروجه من السجن في عام 1999 ولكن قبل أن نستعرض تلك الأهمية نقول إنه خلال الفترة بين 1989 و 1993 أي تواجده الأول في أفغانستان كان الزرقاوي صغيرًا ومتحمسًا، ولم يكن قد غادر الأردن قبل ذلك لكن في المرحلة الثانية كانت الجماعات المسلحة قد قطعت شوطًا كبيرًا في الفوز بتعاطف الناس حول العالم الإسلامي، كما أن المرحلة الأولى كان القادة المجاهدين من صنع الولايات المتحدة ونفوذها ومصالحها ومن هنا كانت قوتهم وديكتاتوريتهم، لم يكن قد إلتقى بن لادن ولكنه تدرب في إحدى معسكراته ومعسكرات عبد الله عزام، وهو مخيم صدًا العسكري قرب الحدود الأفغانية وداخل أفغانستان كما تدرب على يد أبي حفصة المصري.


يتحدث أبو منتصر أحد مشاركي الزرقاوي في تأسيس أول جماعة إسلامية مسلحة فيقول: وصل الزرقاوي إلى أفغانستان وكان صفرًا على اليسار بكل ما تمثله الكلمة من معنى، لم يكن لديه وظيفة، متسكع، تدرب وقاتل وعاد إلى الأردن مع طموح وحلم، وهو نقل إيدولوجية الجهاد، كان يريد إعادة تشكيل الأردن وتأسيس دولة إسلامية، في الحقيقة لم تكن المسألة ماذا فعل الزرقاوي من أجل الجهاد، بل ماذا فعل الجهاد في الزرقاوي.

يقول حذيفة عزام: حينما كان في خوست كانت علاقته أكثرها مع مسلحين سعوديين وآخرين من الخليج، بعض منهم كانوا من المليونيرات وكان هناك اثنان منهم لديهم رصيد بالمليارات، ويبدو أن الزرقاوي كان يبحث عن المستقبل من خلال هذه العلاقات حيث كان يريد من خلال سنوات جهاده أن يبني شبكة من الأصدقاء الأثرياء، حيث يمكن له أن يقود ثورة على صعيد المنطقة إن لم يكن قد تاب فعلاً عن ماضيه.

في أفغانستان تعرف الزرقاوي على الشيخ أبي محمد المقدسي (عصام محمد طاهر البرقاوي) وكان شيخًا سلفيًا، إنتقل إلى الزرقاء قادمًا إلى الكويت بعد غزو العراق لها عام 1990 وإتهام الفلسطينيين بالتعاطف مع صدام حسين، وكانت الحركة السلفية قد تأسست في مصر في نهاية القرن التاسع عشر بإعتبارها حركة سنية تصحيحية، وكان الغرض منها مواجهة التقدم الغربي في ميادين العلم والسياسة وقتها. ولكن منذ العشرينات دخلت السلفية إلى ميادين مدارس القرآن (الكتاب) التي كانت منتشرة كبديل من المدارس النظامية. ويؤمن السلفيون اليوم أن المسلمين بعيدون عن كل ممارسات السلف الصالح ويعتبرون الشيعة ألد أعدائهم، حيث ظهرت أولى المواجهات بين الشيعة والسنة في حوالى 632 بعد الميلاد بعد خلاف حاد على مسألة من يتولى أمور المسلمين خلفًا للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهم (أي الشيعة) يتولون حكم إيران كما ينتشرون في أجزاء واسعة من العراق بإعتبارها منطقتي إنتشارهما الرئيسين.

كان المقدسي يدير طوال سنوات أقوى مدرسة للسلفية (أو الموغلة في السلفية) وكانت تلك المدرسة قريبة إلى حد ما من الوهابية، التي كانت منتشرة في السعودية وفي بداية الثمانينات نشر المقدسي كتاب (عقيدة ابراهيم) وهو من أهم المصادر التي تتحدث عن الحركة السلفية حول العالم، وخلال تلك السنوات أصبح المقدسي الموجه الإيدلوجي وأهم من أثر في حياة الزرقاوي.

كان الجهاد في السلفية يصنف الأمور على أنها إما بيضاء (خير) وإما سوداء (شر)، وهكذا كانت كل قرارات الزرقاوي فيما بعد الذي كان يبحث عن والده الذي توفي عنه حينما كان صغيرًا ويبدو أنه وجد ذلك في المقدسي، كما كان يبحث عن إلتزامه الديني وهو ما وجده أيضًا في المقدسي.