زنا المحارم.. حاميها حراميها

1461450725-1
“زنا المحارم” … قضية قديمة وحديثة اعتدنا فى عالمنا العربى أن نوصد أمامها ألف باب وباب … وأن نعلق على كل باب من الأبواب الألف ألف لافتة تحمل شعار “ممنوع الاقتراب أو التصوير” ومنذ عقود عدة ونحن نصر على تعليق تلك اللافتات وإيصاد هذه الأبواب حتى تحول الأمر من مجرد أحداث عارضة إلى ظاهرة من الصعب التعامل معها ،الغريب أننا نصر على هذا الخطأ رغم أن ديننا الحنيف تعامل مع تلك القضية منذ أكثر من 14 قرناً من الزمان وكأننا فى واد وديننا فى واد ،إذا أننا نتخفى خلف جدران المنع والخطر والنهى بدلاً من الاحتماء بجدران التحليل والبحث عن الأسباب الحقيقية وراء ظهور حوادث زنا المحارم …

زنا المحارم لم يكن أبداً جريمة العصر الحديث فحسب ووليد متغيراته الحضارية والثقافية إذ أن له تاريخاً ضارباً فى عمق الماضى وقد اتفق علماء الاجتماع والتاريخ على أن زنا المحارم وجد فى كل الحضارات السابقة التى عرفها الإنسان ، ففى مصر الفرعونية تزوج بعض الملوك من بناتهم ،وتزوج البعض الآخر من أخواتهم ،فقد تزوج الملك “سنفرو” من ابنته الكبرى “نفرت كاو” وأنجبا ابنهما أمين الخزينة “نفرت ماعت” وهو الأمر الذى فعله أيضاً الملك “رمسيس الثانى” الذى تزوج أكثر من بنت من بناته ،كما تزوج الملك “توت عنخ آمون” من أخته ،وقد استمر هذا الوضع حتى العصر الرومانى ولعل زواج “كليوباترا” بأخيها لم يكن تقليداً للملوك المصرين القدماء بقدر ما كان تطبيقاً للنظام الذي كان سائداً فى بلاد الإغريق التي جاء منها آباء هذه الملكة ،حيث كانت القوانين الإغريقية – وخاصة قانون أثينا – تسمح بالزواج بين الأخوة والأخوات فقد تزوج “بطليموس الثانى” من أخته “أرسينوس” كذلك كان فى الأساطير الإغريقية كثير من حالات زنا المحارم منها اغتصاب الإله “زيوس” “لأمه” “ريا” وزنا الإله “أبولو” بأخته “ارتيميس” ،كذلك “كابل” وهى الأم الكبرى للآلهة وللناس زنت مع ابنها وعشيقها “آتيس” … وفى روما القديمة “أجريبينا” التى كانت زوجة للإمبراطور “كلوديوس” ،كذلك الإمبراطورة “دواجر” التى اتخذت من ابنها عيشقاً تمارس معه الجنس ثم جاء الإمبراطور “هرقل” سنة 635 الذي زنا بابنة أخته التي كانت تدعى “مارتينا” .





وفى بلاد الفرس لم يكن الحال مختلفاً ففي عام 490"م" ظهر فيها أحد رجال الدين الزراد شتيين ويدعى “مزدق” وقام بثورة دعا فيها إلى إباحة الزنا بالمحارم ،وقد ناصره الملك “كفارة الأول” (488-531) فى دعوته … وفى الهند القديمة كان زنا المحارم منشراً فكان “بوث” أحد الملوك عشيقاً لأخته ، وكان “أجسى” أشهر ملوك الهند القديمة – ابن ابيه وأخته فقد تزوج الأب بابنته فأنجبت له … وطبقاً لما جاء فى أسفار اليهود لم تكن هناك محارم من جهة الأب ، فكان يجوز الزواج بالعمة وابنة الأخ ، بل الأخت لأب ، فقد تزوج “عمرام” عمته “يوكابد” فولدت له هارون وموسى ،وتزوج “ناحور” أبنة أخيه هارون ،هذا إضافة إلى أن زنا المحارم كان منتشراً لدى العديد من القبائل والجماعات البدائية مثل قبائل “كمبوديا” و “الإنكاس” فى بيرو و"الزاندى" فى زائير - الكونجو الديمقراطية الآن- وقبائل الهنود الحمر “الشيبيوى” وقبائل “الوكوس” فى شيلى .



والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : من هم المحارم ؟ … وهل يختلف هذا من شريعة إلى أخرى أو من قوانين إلى أخرى ؟ من المتفق عليه أن المحارم هن الإناث اللائى تحرم الشرائع والقوانين والأعراف إقامة علاقات جنسية معهن سواء عن طريق الزواج بهن أو بدون زواج ،وعددهن يختلف من شريعة إلى أخرى ،ومن قوانين إلى أخرى ،فالمحارم فى الشريعة اليهودية 14 امرأة هن :الأم ،وزوجة الأب ،والأخت ،وبنت الابن ،وبنت البنت ،والأخت من الأب ،والعمة ، والخالة ،وزوجة العم ،وزوجة الابن ،وزوجة الأخ ،وبنت الزوجة ،وأخت الزوجة ،وأم الزوجة ،أما الشريعة الإسلامية فالمحارم فيها 17 امرأة وهن :الأمهات ،والبنات ،والأخوات ،والعمات ، والخالات ،وبنات الأخ ،وبنات الأخت ،والأم التي أرضعته ،والأخوات من الرضاعة ، وأم الزوجة ،وبنات الزوجة من زوج سابق ،وزوجات الأبناء ، وبنات البنات ،وأخت الزوجة ،وعمة وخالة الزوجة ،وزوجة الأب والجد … وإذا كانت الشرائع السماوية قد وضعت عقوبات رادعة لتجريم زنا المحارم على خلاف القوانين الوضعية فإن الأمر المثير للدهشة – ومن المفارقة العجيبة أيضاً – أن القوانين العربية الصادرة فى دول تنص دساتيرها على أن الشريعة الإسلامي هي المصدر الأساسي للقوانين لا توجد فيها نصوص تعاقب على زنا المحارم بينما القوانين الغربية – رغم علمانية الغرب – تحرص جداً لا تجريم زنا المحارم بل على بيان أنواع المحارم طبقاً لما ورد فى الكتاب المقدر والتوراة والتلمود … ففى مصر لا تعاقب المادة 267 من قانون العقوبات على زنا المحارم ،وإنما تعاقب فقط على الاغتصاب وشتان بين هذا وذاك ،وبمقتضاها يبيح الرضا الزنا بالمحارم ،ومن ثم للرجل أن يزنى بابنته أو أخته أو عمته مادامت الأنثى فوق الثامنة عشرة عاقلة مدركة ،إذا ما انعدم الرضا فاغتصب الرجل الأنثى فالقاعدة إنه يستوي أن تكون إحدى محارمه أم لا فالعقوبة هي الأشغال الشاقة المؤقتة أو المؤبدة … وهناك عشرات الأمثلة من جرائم زنا المحارم وقعت وتم القبض على مرتكبيها ولم تملك النيابة “إلا أن تأمر بحفظ التحقيق والإفراج عن المتهمين معززين مكرمين باعتباراتهم لم يرتكبوا جرماً ،ومن هذه الجرائم تلك التى وقعت فى منطقة “بولاق الدكرور” بطلها رجل موظف مات زوج أخت زوجته “عديلة” وطلبت منه زوجته أن يمر على أختها فى مسكنها ليرى إن كانت تحتاج لشئ ،وبمرور الأيام اكتشف بعض الجيران أن علاقة الرجل بالمرأة تدعو للريبة ،ففي عامين بعد وفاة زوجها أنجبت ولدين ،وعرفوا الذي يتردد عليها هو زوج أخته ،وأبلغوا الشرطة فتم القبض عليه ،ورغم أنهما اعترفا بوجود علاقة جنسية نتج عنها ولدين إلا أن النيابة حفظت التحقيق وأفرجت عن الزانيين ليستأنفا حياتهما معاً رغم أنف الشريعة والمجتمع وذلك لأن قانون العقوبات المصري يخلو من أي مادة تعاقب على زنا التراضى سواء بالمحارم أو غيرهن .





ويزداد الأمر سوءاً في الغرب والذي يسيطر عليه المذهب الفردي ،الذي يعترف للفرد بالحق فى أن يتصرف فى جسمه كيفما يشاء دون وصاية من المجتمع ،ومن المنطلق قررت لجنة “ولفندن” البريطانية إباحة الزنا والبغاء والشذوذ ،وهناك محولات تهدف إلى أن يصبح زنا المحارم مثل الزنا بغير المحارم مباحاً أو على الأقل عدم العقاب عليه بالعقوبات الشديدة التي تنص عليها القوانين القائمة الآن ، بل الأغرب من ذلك أن أحد الباحثين الغربين ذهب إلى أن زنا المحارم يمكن أن يكون مفيداً إذ هو زود الإنسان بخبرة صحية ،وذهب آخر إلى أن زنا المحارم تجربة مفيدة وثرية ،وعلى النقيض يحسب للقضاء الأمريكي أنه مازال متمسكاً بفرض عقوبة على زنا المحارم رغم أنه لم يعد يعاقب على الزنا العادى – بغير المحارم - ،ويوقع المسئولية على الطرف البالغ دون الطرف القاصر وتطبيقاً لذلك المبدأ قضت إحدى المحاكم الأمريكية فى دعوى زنا محارم عرضت عليها وكانت خاصة بفتاة – 16 عاماً – رغبت فى ترك أمها التى كانت مطلقة من أبيها والانتقال للعيش معه ،وبعد انتقالها بدأت علاقتها الجنسية معه ،وبعد ستة أشهر عادت إلى بيت أمها حيث أنجبت طفلاً بعد أشهر قليلة ، واعترفت أمام القضاء الذى عاقب الأب بالسجن 18 عاماً …





وفى عام 1990"م” اتهمت امرأة في الرابعة والعشرين من عمرها باغتصاب أخيها البالغ من العمر ثلاثة عشر عاماً …كذلك عاشرت امرأة أخرى ابنها البالغ من العمر اثنى عشر عاماً جنسياً بدافع الخوف عليه من أن يصبح شاذاً فصحبته إلى الفراش لتريه كيف أن الرجل يشعر بمتعة مع المرأة تفوق كثيراً ما يشعر به ولد مثله ،وقضى بسجنها 15 عاماً .





وبلغة الأرقام استحقت جرائم زنا المحارم بأن توصف بالظاهرة وتأخذ طابعها العالمى نظراً لانتشارها فى شتى دول العالم ففى عام 1910"م" كان معدل زنا المحارم فى أمريكا 1.2 حالة لكل مليون نسمة ،وأنخفض عام 1930"م" إلى 1.1 فى كل مليون نسمة ،أما على معدل فكان خمس جرائم لكل مليون مواطن سنوياً ،ووصل إلى 7 لكل مليون فى واشنطن ولم يكن يوجد معدل أعلى من هذا إلا فى “نيوزيلندا” التى بلغ فيها 9 جرائم لكل مليون مواطن … وفى بريطانيا تضاعف عدد جرائم زنا المحارم – المبلغة إلى الشرطة فقط – مكن 101 جريمة عام 1940"م" إلى 335 جريمة عام 1961 “م” … وفى جنوب أفريقيا يمثل زنا المحارم من 70 إلى 80% من إجمالى الجرائم الجنسية التى ترتكب فيها مع الأخذ فى الاعتبار أن هناك بنت واحدة من بين كل أربع بنات وولد واحد من بين كل 8 أولاد أعتدى عليهم جنسياً … وعرفت فرنسا زنا المحارم منذ القدم فقد كانت الملكة “اليانور” زوجة الملك لويس السابع عشيقة لخالها “ريموند” أمير أنطاكيا أثناء الحروب الصليبية عام 1148"هـ" وقد كان عادياً ى منتصف القرن 19 بالنسبة للآباء الفرنسين أن يتخذوا من بناتهم محظيات … أما الهند فقد عرفت نوعاً من الزنا بالمحارم الذى يتسامح المجتمع مع من يرتكبونه ففى بعض مناطق الهند يتزوج أحد الأخوة من فتاة ويشترك معه فى مضاجعتها كما يضاجع هو زوجاتهم ،وعندما يصاب الزوج بحالة من البرود نحو زوجته فإن أخاه يحل محله بتشجيع من الأسرة … وفى اليابان ووفقا لدراسة أجراها أحد الباحثين عام 1959 “م” لا يزال يوجد مناطق ريفية يتزوج فيها الآباء من بناتهم إذا ماتت الأمهات أو أصبحن غير قادرات على تلبية مطالب الأزواج .





ولم يكن الحال فى مصر يختلف كثيراً عن باقى دول العالم فمثلها مثل غيرها غير أنه لا توجد إحصائيات دقيقة لما يقع فيها الآن لأن الغالبية العظمى منها لا تبلغ إلى الشرطة ،ولكن هناك محاولات فردية قام بها بعض الباحثين منهم د. على الزهرانى استشارى العلاج النفسى للأطفال والمراهقين حيث أجرى استطلاع رأى شمل 823 فرداً من طلاب الجامعات اتضح أن أكثر من 8.22% من حالات الاعتداء الجنسى احتل الأقارب “أشقاء /أولاد /العم/ أبناء العم أو الخال” فيها الصدارة يليهم الأصدقاء ثم الأخوة والمعلمون ، فى حين أحتل الاعتداء الجنسى من الأب أو الأم المرتبة الأخيرة بنسبة 1% … وفى دراسة أخرى أجراها د. أحمد المجدوب – الخبير بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية – على عينة عشوائية من الجرائم التى جرى الابلاغ عنها على مدى خمس سنوات وبلغ عدد حالاتها 200 حالة شملت 18 نمطاً من العلاقات المحرمة ،وأظهرت الإحصائيات أن 22% من حالات الاعتداءات الجنسية احتل الأقارب فيها أيضاً الصدارة ثم الأصدقاء ثم الأخوة … وكان من هذه الحالات اعتراف شاب فى السنة الثالثة من المرحلة الثانوية بأنه ينتمى إلى أسرة كبيرة العدد مات عائلها وكانت له خالة ورثت عن زوجها أموالاً كثيرة فطلبت منها أم الشاب أن تأخذه ليقيم معها ووافقت الخالة وبعد عدة شهور من الإقامة معها أخذت تتغير فأصبحت ترتدى ثياباً مفتوحة شفافة ثم أخذت تستشيره إلى ، دعته لمعاشرتها فاستجاب وكان المقابل إغداقها عليه وعلى أسرته من مالها ،والغريب أنه عندما فاتح أمه توسلت إليه أن يبقى مع خالته حتى لا توقف المساعدة … هذا وترجع دراسة د.المجدوب ظاهرة زنا المحارم إلى عدة أسباب منها : إدمان المخدرات والتى تعتبر وسيلة مهيأة للدخول فى العلاقة الجنسية بأقل قدر من الرفض والمقاومة وهذا ما تؤكده حكاية أوردها د. المجدوب فى دراسته عن أم سافر زوجها إلى الخارج فدفعت ابنها إلى إدمان الهيروين ثم ساومته على النوم معها … هذا إضافة إلى الزحام فى السكن والذى عادة ما يكون من العوامل المشجعة على زنا المحارم فقد كشف الجهاز المركز للتعبئة العامة والإحصاء بمصر أن 3 % من الأسر فى مصر تقيم فى غرفة واحدة بمتوسط عدد أفراد سبعة كما أن كثيرا من الأسر مازالت تستخدم دورات مياه مشتركة مما يضعف الشعور بالحياء بين ساكنيها نتيجة اعتيادهم مشاهدة بعضهم البعض فى أوضاع مثيرة ،ويؤدى الازدحام في المسكن إلى تلاصق الأخوة والأخوات أثناء النوم مما يحرك شهوتهم ويدفعهم إلى إقامة اتصالات بينهم … كذلك من بين الأسباب التى أوردتها دراسة د. المجدوب ارتفاع نسبة العنوسة والتي وصلت إلى 9 مليون مواطن تجاوزوا الخامسة والثلاثين دون أن يتزوجوا منهم حوالى 3.5 مليون .





وبعيداً عن دراسة د. المجدوب فإن هناك أسباباً أخرى لتفشى ظاهرة زنا المحارم مثل تجاهل الوالدين لتقديم جرعات معقولة من النصح بشأن الحياة الجنسية ومن ثم يلجأ الأبناء إلى زنا المحارم من باب التجربة ،وكذلك غياب الوالدين وسفرهم للعمل بالخارج إضافة إلى انتشار الفيديو كليب والمواقع الإباحية على “الانترنت” حيث أن أكثر شرائع المجتمع التى تهتم بالدردشة من خلال “الانترنت” هى شريحة المراهقين وحتى تضم الأعمار من 15 عاماً حتى 30 عاماً وفى هذه الحالة يعتبر الانترنت وسيلة تهدف إلى تفريغ الطاقة الجنسية لدى المراهقين والتي كثيراً ما تتحول إلى علاقات مباشرة وتصل إلى زنا المحارم .