دخول

سواليف اردنية

لن يغضب أحد لك ياعوّاد!.. وأنت الوحيد الذي سيخرج من المولد بلا حمص ومنتوف الريش، كأنك لست ابن عيشة ولا تريد أن تعيش!..
تريدهم أن يصيروا بشرا؟!.. ياأخي، هم لا يريدون ذلك!..
ولماذا تحرق أعصابك كلما دقّ الكوز بالجرّة؟!.. فما إن تخرج من وقعة سوداء مرّة، وتخلص من ابن وسخة، حتى تتورط مع ابن عرّة!..
طوّل روحك، وامسح وجهك بالرحمن، واصبر على هذا الزمان، واكظم غيظك، لتقضي شتاءك وقيظك، فهل خربت الدنيا عندما ركبت في السرفيس، وكنت مجاورا للشباك في المقعد الخلفي، تماما وراء السائق، وكانت الدنيا حريقة، في عزّ الصيف، ولكل صيف مثل الشيوخ طريقة، والسيارة ماشية تشق عباب الإسفلت، والشبابيك مفتوحة للريح، والشوفير يعاني من خنانته، فيجذب ما في خياشيمه بالشخير والنخير إلى رغرغة الحلق، ويقذف مكنونة هذا من الشباك، فتصفقه الريح (أي المكنون) وترده مباشرة إليك، فيطرش وجهك، فيستغضبك هذا الفعل الهمجي، وأنت حين تصير مستغضبا يعمي بصرك ولا تعرف أحدا، ولا تميز بين الطمس والخمس، ولا يقف في وجهك سيل أو ليل، ولا تعبأ أبدا بالحطّ والشيل، ولا تحسب حسابا لأبي زيد الهلالي، ولا لذياب بن غانم، ولا لعنترة بن شداد العبسي، فكيف بمقطوع الذيل؟!.. فمسحت وجهك بكفيك، وعقدت مابين حاجيبك، وتدفق الدم إلى لغاديدك واحمرّ في وجنتيك، وحدّقت في مؤخرة رأس السائق والشرر يتطاير من عينيك، ونهمت عليه بأن يتوقف، فصفّ على اليمين، فترجلت وأنت تتأفّف، وخبطت باب السيارة مثلما ينبغي أن يكون، فتلفّظ بشيء عن أمك، وألقى محاضرة على بقية الركاب، مستغربا كل استغراب، من هؤلاء الذين يفشّون غلهم بباب السيارة، دون أن يزعلهم أحد، لا بالفعل ولا بالسلوك، ولا بالحكيلوجيا، ولا بالإشارة ولا بالعبارة، ولاحتى بالسباب!..
وتقرر نكاية بالسائقين، أن تكمل مشوارك سيرا على الأقدام، والله المعين، فتقطعها من دوار الداخلية إلى وسط البلد، مستغضَبا من جميع الناس، متقززا من هؤلاء الطغام، فتمشي ترافصاً، وتشبرح بذراعيك، وتكلّم نفسك، وترد الكلام عليك، فتصطدم بكل من يلاقيك، وتخلع كتفه، وأنت في كل هذا لا أحد يفري فريك أو يجاريك، وتصيح بوجهه : فتّح، يا أخي!..
وما إن تصل إلى وسط البلد حتى تكون منهكا من عجقة السير، ومما يغلي في جوفك لإنعدام الحق والجمال والخير، فيقرصك بطنك، فتعرف بأنك جائع، فتطلب ساندويشة فلافل، فيمسح الفلافلجي أصبعيه السبابة والوسطى بلسانه، ويشبعهما بلَلاً بما تيسر من ريالته وخنانه، ويتناول ورقة ويلف بها الساندويشة، بعد أن يعمدها بما رأيت، فيستغضبك، فتعنّفه بالكلام، وأن هذا لا يجوز في الأكل والطعام، فيلتفت إلى قلّة أدبك، ويستنكر أن ترى إليه، كما لو أنه مقلعط أو مجرذم، ولم يعترض في كل تاريخه أحد من هذه الأمّة عليه، وكأنه يفعل شيئا لا يفعله الفرّان أو الحلواني أو المطعمجي، أو البقال أو الخضرجي!..
فافهم، ياعوّاد، ولا تظن نفسك مختلفا عن هؤلاء العباد، وأن الهرج يعني غيرك ولا يعنيك، وأنك المستغضب والنشمي، وأنك ابن أمك وأبيك، وانظر إلى نفسك في المرآة، على الحقيقة لا على هواك، كي يسترجع ذهنك ما تؤكده عيناك، وهو أنك أنت السائق والفرّان والحلواني والمطعمجي، والبقال والخضرجي، وكن أصيلا ولا تنكر نفسك وأنت ترى إلى المرآة فينعكس فيها الفلافلجي، وانظر إليه، وتمعن في سحنته وبرادة وجهه وغباء عينيه، فهذا الذي لفّ لك ساندويشة الفلافل ببصاقة ليس مقلعطا، ولا مجرذما بين الورى. هو فقط (خ..) وأقول قولي هذا، وأستغفرالله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

مواضيع مقترحة


كيف يسعد الرجل زوجته...سؤال يحير علماء الغرب والشرق
خمسة ملايين فقير في المغرب
أحيانآ نحتاج الى خطوة الى الوراء
لا تكن كـ كقلم الرصاص
اتمنى تنال اعجابكم هالهديه!
معلومة عن أسطورة !(2)
استخدم التطبيق