شبان وفتيات يحولون منطقة الحرم المكي إلى ساحات تعارف

شبان وفتيات يحولون منطقة الحرم المكي إلى ساحات تعارف




غزة-دنيا الوطن
ما لا يزيد عن كيلومتر واحد من نقطة الشميسي الحدودية، حيث المدخل الرئيس لمكة المكرمة، تنتصب علامة بارزة كُتِبَ عليها حد الحرم، التي تفصل بينها وبين النطاق العمراني لمدينة مكة المكرمة حوالى 23 كيلومترًا، وهي تبين أن ما بعدها يعتبر منطقة يحرم فيها كثير من الأفعال المباحة خارج نطاقها، مثل الصيد وأخذ اللقطة، فضلاً عن مضاعفة الذنوب والحسنات، إلا أن كثيرًا من الشباب والفتيات إختصروا تلك المسافة وألغوا تلك الحدود.

ولعل من أبرزها المعاكسات بين شبان وفتيات وفي شكل خاص خلال مواسم العطل المدرسية، حتى باتت ظاهرة محسوسة، بدأت ملامحها تبرز عامًا بعد آخر، وبخاصة مع تنامي إستخدام وسائل تقنية حديثة.
وعلى الرغم من إرتفاع أصوات رجال دين تجاه محاربة الظاهرة والتنبيه بها بهدف القضاء عليها، إلا أن أصحاب تلك الأصوات يرون بأن تحذيراتهم يجب أن تكون بعيدة عن وسائل الإعلام لكي لا تسجل الظاهرة على البلد الحرام عيبًا.

الإصطحاب ثم الخلوة

يقر رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (رجال الحسبة) في منطقة مكة المكرمة أحمد الغامدي بضعف إمكانات جهاز الهيئة في ضبط سلوكيات الشبان والفتيات في المنطقة المحيطة في الحرم، مؤكدًا وجود ظاهرة المعاكسة بين الشبان والفتيات في منطقة الحرم، بصور مختلفة، منها تبادل الأحاديث بين الطرفين في الأسواق، الذي قد ينتهي بعضه بالإصطحاب والخلوة.

ويكشف الغامدي أن طاقم أعضاء هيئة العاملين في محيط الحرم في الفترة الواحدة لا يتجاوز ستة أعضاء، بينما يحتاج جهاز الهيئة ما لا يقل عن 30 عضوًا في الفترة الواحدة، مبينًا أن إجمالي الأعضاء العاملين في المنطقة المركزية التابعة للحرم على مدار ساعات اليوم لا يتجاوز 13 عضوًا، بينما تحتاج المنطقة إلى 60 عضوًا على أقل تقدير، مضيفًا أن أسواق شركة مكة، وشارع إبراهيم الخليل، والساحة الجنوبية للحرم، وشارع أجياد، تمثل أهم المناطق الحيوية التي تحتاج إلى تركيز التواجد الأمني.

بين التاسعة والسابعة

ويتفق مصدر في شرطة مكة المكرمة مع رئيس الهيئة في استفحال ظاهرة المعاكسات في شكل كبير ومطرد. ويقول إن ظاهرة المعاكسات يقوم بها الشبان والفتيات، الآتين مع أسرهم من مناطق المملكة المختلفة، مشيرًا إلى أن ما يقع من معاكسات من سكان مكة المكرمة الأصليين أو المقبلين من خارج المملكة يُشكل نسبة ضئيلة جدًا لا تكاد تذكر.

وترصد شرطة مكة المكرمة ظاهرة المعاكسات في شكل دائم، وتسعى إلى الحد منها، من خلال خطط عمل متخصصة، بيد أن المصدر يستدرك أن العقبة الكبرى التي تحول دون نجاح الخطط هو ضعف الكادر البشري، الذي لا يلبي حاجة الخطط، عطفًا على كثافة زوار البيت الحرام، الذي يفوق عددهم في المواسم عدد سكان كثير من الدول.

ويرتدي أغلب أفراد الشرطة العاملين في الميدان في المنطقة المركزية زيًا مدنيًا، لدعم لجنة مستحدثة تسمى لجنة مكافحة الظواهر السلبية، المشكلة من مختلف القطاعات الحكومية، ويذكر المصدر أنها تعنى بمحاربة الظواهر السلبية كافة، مثل البيع الجائل وافتراش الطرقات والتسول والسرقات والمعاكسات، وهي أعمال تحتاج إلى طواقم بشرية أكبر من العاملة في الميدان حاليًا، لتتلاءم مع الخطط المقررة، وتحقق الأهداف المرسومة.

وعلى رغم إقراره بضعف الإمكانات، إلا أن المصدر أشار إلى تمكن الكثير من الأجهزة الحكومية بتحقيق نجاحات مهمة، من بينها منع بيع السجائر في محيط الحرم، وبيع التسجيلات الغنائية، التي كانت تنتشر سابقًا، متوقعًا نجاح الأجهزة في حصر ظاهرة المعاكسات خلال السنوات المقبلة.
ويعتبر عاملون في القطاع الأمني في محيط الحرم، إجازة نهاية العام أهم موسم تنشط فيه ظاهرة المعاكسات بين الشبان والفتيات، ويأتي بعدها عطلة رمضان. ويقولون إن ساعات ذروة المعاكسات في عطلة نهاية العام تكون بين التاسعة مساءً والسابعة صباحًا، أمّا رمضان فتبدأ ساعات الذروة من العشاء وحتى صباح اليوم التالي.

مطاردات عبر (البلوتوث)

يشعر المتواجد في الأسواق المحيطة بالحرم أن الأجواء مليئة برسائل البلوتوث، التي تتطاير بين المتسوقين، إذ ينشغل كثير من الشباب باستخدام هواتفهم للبحث عن الأسماء التي تحمل إشارات أنثوية، أو التي تكون صريحة بأسماء نسائية، وفي الوقت ذاته تـنشغل الفتيات المعاكسات في مراقبة طلبات الإتصال التي تحمل الأسماء الأكثر جاذبية.

إحدى الفتيات وهي في مقتبل العقد الثالث قالت في حديثها مع إيلاف إن بقاءها في مكة أسبوعًا كاملاً أصابها بالملل لكونها قضت أيامًا وصفتها بالروتينية بين السكن والحرم دون أن يكون لها خيارًا غير الأسواق، إذ إن منطقة الحرم تخلو من المطاعم المناسبة على حد وصفها، فضلاً عن أن السكن لا يناسبها، وتقول إنه يبعث الكآبة لضيقه الشديد.

وفي مجمع سوق شركة مكة التجاري إلتقت إيلاف بفتاة اتضح أنها من شرق المملكة، وفي السادسة والعشرين، تكشف وجهها وترتدي عباءة غير تقليدية، وترافقها أختها الكبرى.
تقول الفتاة لـإيلاف إنها المرة الأولى التي تزور فيها مكة المكرمة وإنها تعرضت لأكثر من ثلاث محاولات تحرش في منطقة الحرم، وإن من بين التحرشات محاولة من شاب كان داخل الحرم.

وبررت الفتاة سبب كشفها وجهها بأن أسرتها تبيح لها ذلك، بيد أنها تستدرك أن الشبان يعاكسون أي فتاة، مهما كان مظهرها، حتى لو لم تكن جميلة.
وفيما كانت الفتاة تتحدث، صرخت أختها الكبرى في وجه أحد الـشبان، مستنجدة بالشرطة، وهي تتهمه بتصويرها بكاميرا هاتفه الجوال، وهو ما أثبته رجل شرطة كان قريباً من الفتاة أثناء الحديث مع إيلاف إلا أن رجل الشرطة اكتفى بإجبار الشاب على مسح ملف التصوير، وتركه من دون متابعة الإجراءات الرسمية.

نغسل ذنوبنا

من الممكن وبسهولة العثور على شبان في منطقة الحرم يرتدون ملابس قد تبدو لائقة في أماكن أخرى، لكنها في المكان الأكثر قدسية لدى المسلمين، قد تبدو محل استنكار.
قال لـإيلاف أحد الشبان وقد كان يرتدي قبعة اشتهر بها مغنو الراب الأميركي: كل عام آتي إلى هنا مع أسرتي، لنبقى نحو عشرة أيام، بعد أن نذهب في رحلة إلى إحدى الدول السياحية ثم نأتي هنا لغسل ذنوب الرحلة السابقة.

فيما إعتبر شاب آخر زيارة مكة المكرمة برنامجًا سنويًا لا بد من القيام به مع أسرته وأسر أخرى تربطهم علاقات القرابة، مشيرًا إلى أن أسرهم تجبرهم على البقاء أيامًا طوال في مكة المكرمة. مضيفًا: إننا بحاجة إلى الترفيه لا سيما في أيام الإجازات المدرسية، بمثل حاجتنا إلى التعبد. وإن الإجبار من جانب الأهالي دافع إلى البحث عن وسائل ترفيه، وربما تكون سببًا في استخفافهم بحرمة المكان.

في حين يذكر مدير الحراسات الأمنية في أحد المجمعات أن الظاهرة التي بدأنا نلمسها خلال الموسم الحالي هي انخراط أحداث في سلوك المعاكسة تبدأ أعمارهم من سن الثالثة عشر، مبينًا أن الحراس سبق أن ضبطوا حالات إختلاء في أماكن منزوية عن الأنظار في المجمع، مثل نهايات سلالم الطوارئ من الأعلى، كما أن الكثير من الشباب يستغلون أمكان الزحام في التحرش بالفتيات عن طريق اللمس باليد.

فيما يقول أحد العاملين في جهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في منطقة الحرم إن الكثير من الفتيات اللواتي تتجاوز تصرفاتهن حدود المعقول في إثارة الفوضى، هن من أسر منضبطة، وينتج ذلك عن طول فترة بقائهن في مكة، إذ يعتقد آباؤهم أنهم يغرسون فيهم حب التعبد منذ الصغر، عبر إجبارهم على البقاء في مكة المكرمة، بينما هم في مراحل عمرية تحتاج إلى الترفيه المشروع، مثل حاجتهم إلى التعبد، مضيفًا أن الكثير من الأسر يخططون لزيارة بيت الله الحرام برفقة أقاربهم وأنسابهم، ما يتيح فرصة للشبان والفتيات في تشكيل جماعات أثناء التسوق والتنزه وإثارة الفوضى، معتبرًا تشكيل الجماعات من أهم المظاهر السلبية الملموسة في مواسم الإجازات الرسمية. موضحًا أن الآباء يواجهون صدمة مريرة لحظة استدعائهم لاستلام أبنائهم أو بناتهم بعد ضبطهم في مخالفات شرعية.

إلى مجلس الشورى

ويشير مصدر أمني يعمل في منطقة الحرم لـ إيلاف إلى صلة الإنترنت المباشرة في تنامي ظاهرة التحرش في الحرم. ويقول تتـشكل العلاقات بين شبان وفتيات في منطقة الحرم نتيجة علاقات صداقة سابقة لزيارتهم مكة المكرمة، ولكنهم يكونون غير قادرين على الإلتقاء في مدنهم، إذ إن الكثير من هذه العلاقات تكون بين شاب وفتاة يعيشان في مناطق متباعدة، أو بين فتيات لا يجدن فرصة الإلتقاء بأصدقائهن من الشبان، لتكون فرصة اللقاء في مكة المكرمة.
يقول المشرف على موقع المستشار الإلكتروني المعني بتقديم الاستشارات التربوية والنفسية الدكتور خالد الحليبي، إن الآباء يزورون الكعبة، في حين يظل أبناؤهم وبناتهم يمارسون التسيب في الأسواق، وربما يتواعدون، وربما احتجوا بأنهم في الحرم، وهم في الواقع في أماكن أخرى.

يقول خطيب الجمعة حسين العلي من مدينة الدمام (شرق السعودية) إن ظاهرة التحرش بدأت في التنامي حين حوّل الكثير من الأسر السفر إلى مكة المكرمة من سفر لتأدية عبادة إلى سفر عبادة وسياحة، معارضًا البقاء فترات طويلة في مكة المكرمة للأسر التي لا تسمح ظروفها بذلك، محملاً الخطباء مسؤولية تثقيف الآباء وتنبيههم بما استجد من ظواهر بالصور الصحيحة.

أما عضو المجمع الفقهي الإسلامي الدكتور محمد النجيمي رأى أن قضية تفشي المعاكسات في محيط الحرم المكي تستحق أن تناقش في مجلس الشورى من نواحي تنظيمية، كما يجب أن تناقش في هيئة كبار العلماء من جوانب فقهية.