شُفت الواد "التوك توك" ؟؟

شُفت الواد التوك توك ؟؟

إنها الحرب إذن!
هكذا يقولها –الآن- بعلو الصوت عدد كبير من المسئولين في الدولة، ملوحين بكل أنواع التهديد والوعيد، مدججين بكل أنواع السلطة والقوة والبطش، مستندين إلى جيش عرمرم -أيوه عرمرم!- من رجال الشرطة واقفين ع الندهة، منتظرين إشارة البدء هجوووووووووم الموت للخونة!.

اللطيف في الأمر أن هذه المعركة حامية الوطيس -أيوه الوطيس!- والتي تذكرك بحرب طروادة حتى يخيل لك أنك ستشاهد أوديسيوس أحد قادة الحرب الإغريقية الشهيرة وقد نزل إلى ميدان التحرير على صهوة جواد أدهم حلو كده، شاهرا سيفه -أوديسيوس مش أدهم!-، لم تكن في سبيل القبض على المتهربين من العدالة، أو الذين لهفوا فلوسا من البنوك ثم فلسعوا على بلاد بره، ولم تكن من أجل ملاحقة مزوري الانتخابات وآكلي قوت الناس وبياعين الوطن بالحتة، ولم تكن من أجل رفع مستوى معيشة المواطنين أو مقاومة البطالة أو حتى توصيل مياه الشرب النقية أو مواسير الصرف -ولا مؤاخذة- الصحي إلى حمامات عدد كبير من المصريين، لم تكن الحرب من أجل هذا أو ذاك وإنما -بعيد عنك ويكفيك شر الطريق -كانت من أجل وسيلة مواصلات هندية فقيرة -كحالنا- غلبانة -كمعظمنا- مصابة بسوء تغذية -ككل أطفال مصر- فلم ينمُ لها إلا ثلاث عجلات فقط، فكانت كالذي رقص على السلم فلم تطل أن تصبح موتوسيكلا محترما بعجلتين أو سيارة بنت ناس بأربع عجلات، فلما احتاروا في تسميتها وهي بخلقتها الغريبة تلك أطلقوا عليها هذا الاسم الذي يلاحقها كحكم محكمة مشمول بالنفاذ.. توك توك!

أما لماذا الحرب الآن -فيه فيلم فلسطيني اسمه الجنة الآن حلو قوي ابقى اتفرج عليه!- فلأن أصحاب المقام العالي محافظي القاهرة والجيزة ومعهما لفيف من المسئولين صغارا وكبارا اكتشفوا فجأة -أي والله فجأة كما حدث لـنيوتن لما وقعت فوق نافوخه التفاحة إياها فتوصل إلى قانون الجاذبية- أن التوك توك وسيلة مواصلات غير آمنة لأنها بدون أبواب!- قال يعني اللي بيركبوا متشعبطين في أتوبيس 26 وواقفين على السلم نصهم التحتاني -ولا مؤاخذة- بره ونصهم الفوقاني جوه عايشين في أمان!- وأنه –أي التوك توك- أصبح كالنتوء البارز في جسد الطرق المصرية -اللي إنت عارف حالها طبعا- فأصبح يشوهها، كما أنه -أي التوك توك برضه واحنا ورانا غيره- يقوده أطفال صغار ومسجلون خطر فيتسبب الفريق الأول في حوادث خطيرة ويقوم الفريق الثاني بعمليات إجرامية كالسرقة والاختطاف و-والعياذ بالله- الاغتصاب، وعلى هذا نطلب من عدالة المحكمة توقيع أشد العقوبة على المتهم التوكي توكي وإعدامه شنقا أو حرقا أو جمعا في مراكز وأقسام الشرطة!

ولأننا في مصر أم الدنيا -وخالتها- فلا توجد أرقام واضحة ومحددة يمكن الاستناد إليها فيما يتعلق بظاهرة التوك توك، لكن دراسة خرجت من مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء تقول إن هناك ما يقرب من ربع مليون توك توك يهرول حاليا في شوارع الوطن، ومن خلال مشاهداتي في قرى ومدن مصر المحروسة أظن أن التوك توك بدأ ظهوره على استحياء في أواخر القرن العشرين ربما سنة 98 أو 99 أو 2000، وظل ينتشر ويتوغل –كـريد الأصلي- في وجه بحري -لا أعرف بصراحة هل حدث نفس الأمر في وجه قبلي أم لا- قبل أن يدخل إلى الأحياء الشعبية والعشوائية والحدودية في العاصمة عام 2004 أو 2005 حتى أصبح الآن أشبه بالجراد الذي يجري على الأسفلت.

وإذا كان الإنصاف يقضي القول بأن التوك توك يمثل إزعاجا مروريا بالفعل خاصة وأن حال المرور في مصر كلها -وليس في القاهرة وحدها- كارثي، فإن الإنصاف يقضي أيضا أن نسأل السؤال المنطقي وأين كان قادة حرب طروادة التوك توكية لما دخل كل هذا العدد الضخم من الماكينة الهندية العجيبة إلى مصر؟، هل كانوا في رحلة إلى الهند للاتفاق على استيراد كميات مضاعفة من التوك توك؟ أم أن التوك توك -ربع مليون، خليك فاكر الرقم لو سمحت- دخل إلى مصر متخفيا في صورة موتوسيكل ياباني أو سيارة ألمانية؟

ذات يوم لما كنت في مدينتي الصغيرة ركبت توك توك لطيفا، واكتشفت فعلا أنه وسيلة مواصلات لطيفة وسريعة وآمنة بالمناسبة وقد يسر الكثير من الأمور على المواطنين وخاصة كبار السن منهم لكنه بالفعل يحتاج إلى شيء كبير من التنظيم في طريقة السير والتدقيق في شخصية من يتولى قيادته -وهذا أمر يعالج بالترميم وليس بالبتر- ولما اكتشفت أن سائقه شاب كنت أعرف عنه أنه –ولا مؤاخذة- شبّيح ويقضي طول ليله ونهاره في معاكسة بنات الناس والجلوس على المقهى للعب الطاولة وشرب الشيشة والشاي على النوتة التي كادت أوراقها تنتهي، استبشرت خيرا وقلت ها هو أحدهم قد غادر طابور البطالة اللعين، حتى لما تجاذبت معه أطراف الحديث بدا لطيفا ومهذبا عن ذي قبل وذلك قبل أن يشكو لي مر الشكوي من رجالة القسم -قسم الشرطة طبعا- الذين يتركونهم يسيرون في الشوارع بكل أريحية ويلقون لهم بالسلام والابتسام في يوم، قبل أن ينقلب الحال في اليوم التالي ويطاردونهم كما لو كانوا يطاردون خُط الصعيد، ثم يتحفظون عليهم وعلى توك توكهم ثم يفرجون عنهم بعد دفع كفالة -بتاعة إيه؟!- وعليهم بعد ذلك الانتظار لعشرة أيام فربما يتسلمون التوك توك من جديد وربما يستعوضون فيه ربنا، ليس هذا فحسب بل إن المجلس المحلي اشترط عليهم أن يطلوا التوك توك بلون محدد ثم طلب منهم دفع 400 جنيه لشيء ما لا يعرفه أحد حتى الآن، ثم علقوا على ظهر التوك التوك لوحة رقمية توحي بأنه يعمل بتصريح حكومي طبعا ده حماية لكم ها أنا ذا أسأل في سذاجة معهودة وها هو هو يرد وقد استعاد ذاكرته قبل أن يعمل.. هأو أو.. طيب ما أنا عملت كده وبرضه العساكر خدوني وخدوا التوك توك زي اللي ماشيين بلون مخالف واللي مش حاطين لوح!.

هو نفس السيناريو يتكرر بحذافيره في كل مرة، نضع كل شيء في العاصمة من أول فرص العمل وحتى وسائل المواصلات ثم نشكو من الهجرة إليها والزحمة السكانية الفظيعة، يتكدس التلاميذ بالستين والسبعين نفرا في الفصول ونمنحهم مدرسا مسكينا لا يستطيع أن يشرح حتى لنفسه ثم نسأل ليه الأولاد الوحشين بياخدوا دروس خصوصية؟، يتقاضى الموظف مرتبا هزيلا متواضعا فقيرا كعوده ثم نسأل لماذا يأخذ الرشوة بيساره وهو يمسك السبحة في يمينه؟، يتراجع الإسلام الوسطي بفعل فاعل في المدرسة والجامعة والمسجد والتليفزيون والصحف ثم نستنكر كيف ظهر هؤلاء المتطرفون في قلب النفوس المصرية السمحة؟، نستورد التوك توك بعشوائية لسنوات وسنوات ويمنحه البعض وضعا قانونيا أعرج ويعمل عليه ربع مليون شخص ثم نبدأ في محاربته وفعصه لأنه خطر على الأمن القومي، وحفاظا على بنات مصر من الاغتصاب، طيب بذمتك إنت يا شيخ لو حرب طروادة التوك توكية هذه انتهت بانتصار القوات الحكومية الباسلة وتم تطهير مصر من التوك التوك الهندي الخبيث وأبقينا فيها السرطان والفشل الكلوي، ثم عاد الربع مليون توكي توكي إلى موطنهم الأصلي على المقهى يمارسون البلطجة ومعاكسة الفتيات وأشياء أخرى، كيف سيكون حال الأمن القومي وأمن بنات مصر؟ ومالي لا أرى صديقي سائق التوك توك الشبّيح جالسا في مكانه المفضل يشرب الشيشة على النوتة، وإنما قد قرر -بعد أن ذاق نعمة العمل والفلوس الحلال- أن ينضم إلى التوربيني وريا وسكينة وأخواتهم؟!

م ن ق و ل

شفت … انا شفت … هههههه شكرا على الموضوع