قصيدة ( للصلاة والثورة )نازك الملائكة


قصيدة ( للصلاة والثورة )
نازك الملائكة
يا قبةَ الصخرهْ
يا وردُ، يا ابتهال، يا حضرهْ
ويا هدى تسبيحة علوية النبرهْ
يا صلوات عذبة الأصداءْ
جاشت بها الأبهاءْ
يا حرقة المجهول، يا تطلُّعَ الإنسان للسماءْ
يا وَلهَ الركوع"؛ يا طُهْرَهْ
يا وردة الخشوع، يا نداه، يا عطرهْ
يا مسجداً أسْكَتَ تسبيحاته صهيونْ
من أجل حلْم وقحٍ مجنونْ
كبَّلَ في أرجائه الصلاة والخضرهْ
ولوّث التاريخ والفكرهْ
* * *
يا قبة الصخرهْ
يا جرح، يا ضماد يا زهرة
يا سَهَرَ الجراح في ارتعاشة الشفاهْ
يا حرقة الدعاء، يا تنهُّدَ الصلاهْ
هل تنبض الحياهْ
في هذه الأذرع والجباهْ؟
هل تدفق العطور والألوان والمياهْ؟
ينبجس النبع من الصخرهْ؟
وينبت الفداء ورداً ساخن الحمرهْ؟
نسقيه من تتمة الدعاءْ
من حمرة الدماءْ
نطعمه سنابل الفداءْ
تختصر الزمان في تسبيحة ثرّهْ
يصرخ فيها عطش الثورهْ
* * *
يا قبة الصخرهْ
حيث الخراب مُسدِلاً شَعْرَهْ
يا رعشة التقوى، ويا انخطافة الصلاهْ
يا أثر السجود في الجباهْ
يا صلوات لامست عطورها الشفاهْ
يا وردة روحية الخدودْ
قد ذبلت ولم يحسّ موتها الوجودْ
يا مسجداً عطشان للقرآن والسجودْ
مسائلاً: كيف اختفى تهجُّدُ الرواقْ؟
وأين تسبيحاته الصوفية الأشواقْ؟
ولهفة الجدران، وارتعاشة العمودْ
وسكرة البخور في أمسٍ نَدٍ مفقودْ
كم ضرعت نوافذ؛ وأمطرت أدمعَها أبوابْ
في صرعة العذابْ!
كم رتّلتْ حكايةَ الإرهابْ
لوردة يتيمة عذراء مصفرّهْ
عطورها اضطرّت إلى الهجرهْ
دماؤها تحدَّرتْ وانسكبتْ على المصلَّى قطرةً قطرهْ
* * *
يا قبة الصخرهْ
يا حقُّ، يا إيمان، يا ثورهْ
شمس حزيران طوتها غيمة في الفجر فانطوتْ
وأسدل الستار، والرواية انتهتْ
أقمارها هوتْ
أنجمها قد أغمضتْ عيونها، آفاقها خوتْ
ورودها تحت ثلوج الظلمة انحنتْ
ودولة اللصوص والقرودْ
ترشّفتْ دماءنا الحمراء وارتوتْ
ومزّقت أظفارُها ليونةَ الخدودْ
وأنشبت مخالب الحقودْ
في لحمنا، في كبرياء الأرض" في مراقد الجدودْ
غداً، غداً، تنفجر السجون واللحودْ
فلتسقطي يا دولة اليهودْ!
مازلتِ في سَكرَهْ
ميّتة الضمير؛ في تهوية قذْرهْ
تبعثرين السمّ والأشلاء بين الماء والخضرهْ
وتملأين الكأس بالدماء والخمرةْ
وباسم ماذا تُمنع الصلاة في الحضرهْ؟
وباسم ماذا يُسْرَقُ الأردنُّ والبيَّارة والنضرهْ؟
وباسم ماذا تُقْتَلُ الزهرهْ؟
* * *
يا قبة الصخرهْ
يا حقل قمح نادبٍ عطرهْ!
يا أرغناً مُقَطَّعَ الأوتارْ
يا معبداً مُرَوَّعَ القباب والأحجارْ
بين يدي جزّارْ
يقاتل الورود والسلام والأقمارْ
يسطو على الثمارْ
وينسف البيوت ظلماً؛ يحرق الأشجارْ
يشرّدُ الصغارَ والكبارْ
من أرضهم في ليلة ضائعة النهارْ
أصابعٌ للغدر إرهابية الأظفارْ
* * *
يا قبة الصخرهْ
يا جنح ليلٍ فاقدٍ فجرهْ
متى تُرى: ستنفض الغبارْ
عن أرضنا؟ ونرفع الحصارْ؟
متى تُرى: نقتحم الأسوارْ؟
وغنوة الأمواج والخلجان والأغوارْ
تهمس في أسماعنا بأعذب الأشعارْ
هتافها ينبض بالأسرارْ
فلنبدأ الإبحارْ
قلوعُنا والهةٌ؛ لعلها تعيش في انتظارْ
وفي المدى جزائر المرجان والمحارْ
* * *
يا قبة الصخرهْ
يا ذِكْرُ، يا ترتيلُ، يا حضرهْ
متى نصلّي فيك، هل ستنبت البذرهْ؟
هل نعبر المسالك الوعرهْ؟
ترمقنا ذئابُها بالنظرة والشزْرهْ
* * *
يا قبة الصخرهْ
وجهُكِ، هل نحظى به يا عذبة النظرهْ؟
ونحن قد شطّ بنا المزارْ
تقاذفتْنا البيد والبحارْ
وطوّحتْ بركبنا وأهلنا الأسفارْ
ترفضنا الكهوف، والغابات، والأمصارْ
خيامنا على خطوط النارْ
وزادنا التقوى، وملح الأدمع الغِزارْ
* * *
يا قبة الصخرهْ
يا صمتُ؛ يا ضياعُ يا حيرهْ
متى نرى أبوابك القدسيّة البرَّهْ؟
وننتهي إليك عبر الشُّعب الخطرهْ؟
جِرارُنا خاويةٌ، متى - ترى - تمتلئ الجرارْ؟
حقولنا قد يبستْ؛ فهل – تُرى - ستسقط الأمطارْ؟
وعند بواباتنا تنتظر الأقدارْ
متى نصلّي؟ إنما صلاتنا انفجارْ
صلاتنا ستطلع النهارْ
تسلّح العزَّل؛ تعلي راية الثوارْ
صلاتنا إنذارْ
إلى عدوّ، خادع، غدّارْ
تاريخه قد كُتبتْ سطوره بريشة المكر وحبر العارْ
صلاتنا ستشعل الإعصارْ
ستزرع السلاح والزنبق في القفارْ
تحوّل اليأس إلى انتصارْ
صلاتنا ستنقل الجدب إلى اخضرارْ
وتطعم الصغارْ
فاكهة الصمود والإصرارْ
يا قبة الصخرة من صلاتنا سيرتوي آذارْ
وتنبت الرايات والثمارْ
صلاتنا تفجّر الأنهارْ
وتبعث الغناء، والليمون، والأحرارْ
تعيدنا للوطن المسروق، تمحو العارْ
* * *
يا قبة الصخرهْ
يا رمز، يا تاريخ؛ يا فكرهْ
غداً، غداً،، يختلج اسم الله في القدس وفي الخليلْ
ينتفض العدل المدمَّى صارخاً، يستيقظ القتيلْ
تنبت من دمائه زهرهْ
في عطرها سمٌ وتخفي كأسها جمرهْ
تسكب في أشداق إسرائيلْ
مذاق هول زاحف من الفرات العذب حتى النيلْ
عندئذ ينطفئ الغليلْ
وترتوي جدائل الزيتون والنخيلْ
وتنعس الثارات بعد السهر الطويلْ
كأنما خيامنا عُدْنَ من الرحيلْ
* * *
يا قبة الصخرهْ
يا لغم، يا إعصار، يا سجينة خطْرهْ
على الذي يسجنها؛ غداً يصير سجنها قبرهْ
يا قبة الصخرهْ
حاشاكِ أن ترضَيْ هوانَ الأمة الحرهْ
سيهبط النصر على مرتّلِي القرآنْ
على المُصلِّين؛ وفي صوامع الرهبانْ
على الفدائيين في أودية النيرانْ
غداً، غداً، ينفجر البركانْ
ويبدأ الطوفانْ
ينتفض الشهيد في الأكفانْ
ويكسر القضبانْ
يقاتل الآسر والسّجانْ
ينتصر الإنسانْ
يرتفع الأذانْ
حراً عبيريّ الصدى من قبة الصخرهْ
يرطّب المهامه القَفْرهْ
ويعلن الصلاة والجهاد، والثورهْ
في القدس، في الجولان، في سيناءْ
في المدن العذراءْ
في الريف، في سجون إسرائيل، في الصحراءْ
في الأرض، في السماءْ
سيستحيل الماء، والتراب، والهواءْ
مَدافعاً فاغرةً، وثورةً حمراءْ
تزلزل العصابة السوداءْ
فيسقط الطغيانْ
ويُزهق الباطل والبهتانْ
ويمكرون مكرهم، ويمكر الرحمانْ.
مأساة الحياة
عبثاً تَحْلُمين شاعرتي ما
من صباحٍ لليلِ هذا الوجود
عبثاً تسألين لن يُكْشف السرُ
ولن تَنْعمي بفكِ القيودِ
في ظلال الصفصافِ قَضَيتِ ساعاتكِ
حَيْرى تُمضُك الأسرارُ
تسألين الظلالَ و الظلُ
لايعلمُ شيــــــئاً....
أبداً تنظرين للأ ُفق المجهول
حَيْرى فهل تجلّى الخفيُّ؟
أبداً تسأليـــــن...
...صمتٌ مُسْتغلِقٌ أبديُّ
فيمَ لا تيأسينَ؟ ما أدركَ الأسرارَ
قلبٌ من قبلُ كي تدركيها
أسفاً يا فتاةُ لن تفهمي الأيامَ
فلتقنعي بأن تجهليها
أُتركي الزورق الكليل تسِّيرْه
أكفُّ الأقدارِ كيف تشاءُ
ما الذي نلتِ من مصارعة الموجِ؟
وهل نامَ عن مناكِ الشقاءُ؟
آهِ يا من ضاعتْ حياتك في الأحلامِ
ماذا جَنَيْتِ غير الملالِ؟
لم يَزَلْ سرُّها دفينا فيا ضياعهَ
عُمْرٍ قضَّيتِهِ في السؤالِ
هُوَ سرُّ الحياة دقَّ على الأفهامِ
حتى ضاقت به الحكماءُ
فيأسي يا فتاةُ ما فُهمتْ من
قبلُ أسرارُها ففيم الرجاءُ؟
جاء من قبلِ أن تجيئي إلى الدُّنْيا
ملايينُ ثم زالوا و بادوا
ليتَ شعري ماذا جَنَوْا من لياليهمْ؟
وأينَ الأفراحُ و الأعيادُ؟
ليس منهم إلاَّ قبورٌ حزيناتٌ
أقيمت على ضفاف الحياةِ
رحلوا عن حِمَى الوجودِ ولاذوا
في سكونٍ بعالم الأمواتِ
كم أطافَ الليلُ الكئيب على الجو
وكم أذعنت له الأكوانُ
شهد الليلُ أنّه مثلما كان
فأينَ الذينَ بالأمس كانوا؟
كيف يا دهرُ تنطفي بين كفَّيك
الأماني وتخمد الأحلامُ؟
كيف تَذْوي القلوبُ وهي ضياءٌ
ويعيشُ الظلام ُوهو ظلام
مرثية يوم تافه
لاحتِ الظلمةُ في الأفْق السحيقِ
وانتهى اليومُ الغريبُ
ومضت أصداؤه نحو كهوفِ الذكرياتِ
وغداً تمضي كما كانت حياتي
شفةٌ ظمأى وكوبُ
عكست أعماقُهُ لونَ الرحيقِ
وإِذا ما لمستْهُ شفتايا
لم تجدْ من لذّةِ الذكرى بقايا
لم تجد حتى بقايا
انتهى اليومُ الغريبُ
انتهى وانتحبتْ حتى الذنوبُ
وبكتْ حتى حماقاتي التي سَمّيتُها
ذكرياتي
انتهى لم يبقَ في كفّيّ منه
غيرُ ذكرى نَغَمٍ يصرُخُ في أعماق ذاتي
راثياً كفّي التي أفرغتُها
من حياتي , وادّكاراتي , ويومٍ من شبابي
ضاعَ في وادي السرابِ
في الضباب .
كان يوماً من حياتي
ضائعاً ألقيتُهُ دون اضطرابِ
فوق أشلاء شبابي
عند تلِّ الذكرياتِ
فوق آلافٍ من الساعاتِ تاهت في الضَّبابِ
في مَتاهاتِ الليالي الغابراتِ .
كان يوماً تافهاً . كان غريبا
أن تَدُقَّ الساعةُ الكَسْلى وتُحصي لَحظاتي
إنه لم يكُ يوماً من حياتي
إنه قد كان تحقيقاً رهيبا
لبقايا لعنةِ الذكرى التي مزقتُها .
هي والكأسُ التي حطّمتها
عند قبرِ الأمل الميِّتِ , خلفَ السنواتِ ,
خلف ذاتي
كان يوماً تافهاً.. حتى المساءِ
مرت الساعاتُ في شِبْهِ بكاءِ
كلُّها حتى المساءِ
عندما أيقظَ سمعي صوتُهُ
صوتُهُ الحُلْوُ الذي ضيّعتُه
عندما أحدقتِ الظلمةُ بالأفْقِ الرهيبِ
وامّحتْ حتى بقايا ألمي , حتى ذنوبي
وامّحى صوتُ حبيبي
حملت أصداءه كفُّ الغروبِ
لمكانٍ غابَ عن أعينِ قلبي
غابَ لم تبقَ سوى الذكرى وحبّي
وصدى يومٍ غريبِ
كشحوبي
عبثاً أضرَعُ أن يُرجِعَ لي صوتَ حبيبي