دخول

قوة الالة

قـوة الآلـة وعقـول الأشـرار

لاشك في أن القوة شيء محمود، بل مأمورٌ به في الإسلام، ولكن لابد من أن تكون في سبيل الحق والدفاع عنه، وفي نصرة المظلوم ورفع العنت عنه، ولا يتأتى ذلك إلا إذا صاحب تلك القوة تقدم روحي ونفسي وإنساني، وأخلاقي، وبمعنى أشمل إيماني، أما إذا فقدت الإنسانية تعادل القوة والأخلاق والتوازن الإيماني والنفسي، وافتقرت إلى الرحمة والشعور والضمير، فإن القوة تصير أداة تدمير وشر وبلاء وإهلاك، كالكبريت يعطيك النار، ولك أن تحرق بها بيتاً على سكانه، أو تطبخ بها طعاماً، أو تدفئ بها أجساداً، وكذلك كل وسائل القوة، فالطائرة تستطيع أن تسافر بها إلى أقاصي المعمورة، وتصل بها إلى ما تريد، وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، وممكن أن تستعملها في إلقاء القنابل ورمي الصواريخ لإهلاك الحرث والنسل، والمصنوعات الجامدة لا ذنب لها، فإنها خاضعة لإرادة الإنسان وعقليته وأخلاقه، وهي في نفسها ليست خيراً ولا شراً، وكثيراً ما تكون خيراً فيحوِّلها الإنسان إلى شر باستعماله وإرادته وتوجهه، وفساد تربيته.
نعم.. ترتقي العقول وتبلغ الدرجات السامية في العلم والفهم والاختراع، ويرتفع الإنسان ثقافة ومجتمعاً ونهضة، وتعلو الأمم حضارة وصناعة ورفاهية، ثم يُقضى عليها، ويُحكم على تقدمها وحضارتها، وتقدمها الثقافي والتكنولوجي والعلمي بالزوال أو الانحدار، بفسادها النفسي والروحي والخُلقي، ويتكرر ذلك في دورات التاريخ المختلفة، وتجري عليها سنة الله ولعنة ذلك الفساد:
إرم ذات العماد (7) التي لم يخلق مثلها في البلاد (8) وثمود الذين جابوا الصخر بالواد (9) وفرعون ذي الأوتاد (10) الذين طغوا في البلاد (11) فأكثروا فيها الفساد (12) فصب عليهم ربك سوط عذاب (13) إن ربك لبالمرصاد (14) (الفجر).
ولقد رصد كثير من الباحثين اليوم في الحضارة الغربية هذا التوجه، وحذروا منه، ونبّهوا إليه، يقول الأستاذ جود الإنجليزي: إن العلوم الطبيعية قد منحتنا القوة الجديرة بالآلـة، ولكننا نستعملها بعقل الأطفال والوحوش.
ثم يقول في حديث آخر: إن هذا التفاوت بين فتوحاتنا العلمية المدهشة، وطفولتنا الاجتماعية المخجلة، نواجهه على كل منعطف ومنعرج، ويظهر للعيان في كل وقت وحين، فرغم أننا نستطيع أن يحادث بعضنا بعضاً من وراء القارات والبحار، ونرسم الصور بالبرق، وننصب اللاسلكي في منازلنا ونحمله في أيدينا، فإننا لا نستطيع أن نتعرف على جيراننا الفقراء، أو نســـتطلع أخبارهم، ورغم أننا ننمي الزروع بالكهرباء، ونفرش الشوارع بالمطاط والبسط، وتغنينا الصـــور المتحركة، وتصدح في منازلنا آلات اللهـــو، ويملأها طوفان الترف، إلا أننا لا نستطيع أن ندخل البسمة على الشفاه أو ندخل السعادة على القلوب.
إن أصحاب هذه الحضارة لما فقدوا الرغبة في الخير والصلاح، وضيَّعوا الأصول والمبادئ الصحيحة، وزاغت قلوبهم وانحرفت، واعتلت أذواقهم، ولم تزدهم العلوم والمخترعات إلا ضراوة وضرراً، كما أن الأغذية الصالحة تستحيل في جسم المريض فساداً وتلفاً، فلم تزد تلك المخترعات أصحابها إلا جشعاً وسرعة في الإهلاك، وزيادة في الاستعباد، وقهراً للضعفاء.
لقد انتقلت الحضارة الغربية عن الحضارة الإسلامية، ولكنها غرست في تربة لم يكن عندها معين صافٍ، ولا نبع عذب، ولا رسالة هادية، وحكمة إلهية راشدة، بل كان عندها خرافات أديان، وتعاويذ كهنة، وضلالات رهبان، فنبذوها وبدأوا من نقطة الإلحاد والمادية، ونظروا في الكون والآفاق والأنفس بغير حقيقة إلا المشاهدات والمحسوسات، وتغافلوا عن نواميس الفطرة وقوانين الخالق، وانصرفوا عن عبادة الله إلى عبادة المادة والنفس والهوى فضلوا .
وكان يجب على المسلمين أن يقوموا برسالتهم في العصر الحديث ليجد العالم المصْلَ الواقي، والدواء الشافي، والصراط الهادي، ولكن أنى لهم ذلك، وقد بعدوا عن الرسالة، وخلف من بعدهم خلفٌ أضاعوا الأمانة، واتبعوا الشهوات، وعاشوا في الجاهلية بدل الإسلام، وترهلوا حتى كرهتهم الأمم، وملَّهم الزمن، وضاع منهم العزم، وشرد منهم العقل، وأصبح المنقذ يحتاج إلى منقذ، والطبيب يحتاج إلى من يبرئ علته، ويُذهب سقمه، ويشفي مرضه، وأصبح العاملون للإسلام اليوم يحملون من الهموم والأثقال ما تئن منه الجبال الرواسي همُّ المسلمين وتأخرهم، واتباعهم للباطل، وحبهم للعلل، وتبعة ردهم إلى الجادة، ودون ذلك خطوب وحتوف، وقيود وسدود، وتبعة بعث الرسالة، وإزاحة الغبار عن محياها الصبوح، ووصلها بالأيام ووصل الأيام بها، وإسماع جَرْسها للزمان، وشدوها للآذان.
تبعة تخليص دعاتها الجامدين من عاداتهم التي ظنوها إسلاماً، ورواسب عقولهم التي حسبوها إيماناً، وتبعة هذا العالم، الذي تخلينا عنه فلم نيسّر له الهداية، أو نهيئ له الرسالة، أو نظهر جمالها للعيون، وإبداعها للعقول، حتى يقبل من يقبل عن بينة، ويختار من يختار عن قناعة، ونفتح الآفاق فتح هداية لا فتح قتال في زمن البحث عن الذات، وعن إنسانية الإنسان، فهل يفعل المسلمون ذلك؟ وهل سيقدر عليه دعاته؟ نسأل الله ذلك.. آمين.

مواضيع مقترحة


كيف تكسب زوجتك ؟
₪ .. أشيـــــــــــآء ( لا ) تــحلم بـهـآ .. ₪
ليه الظلم
إذا علمت كل هذا لماذا لا تصلي?
تعالو نتكلم بصراحه مع نفسنا؟؟ ممكن تحل مشكله فى شخصيتك؟ ادخل وجاوب على السؤال بصراحه
لماذا حين نختلف نفترق! ثم نندم
استخدم التطبيق