للاردنيين فقط

حشائش الأرض..

يرتبط (الربيع) عند جميع شعوب العالم بالرحلات والجو المعتدل ورائحة السهول وصوت العصافير الحرّة . الاّ عندنا ، فالربيع مرتبط بالخبيرة والخبيزة فقط . عندما نسمع كلمة ربيع، مباشرة وبلا تفكير نتذكّر الخبّيزة ، يعني لا نتذكّر ألوان النباتات المختلفة ولا رائحة الزهور البكر، ولا نتخيّل الشمس الخارجة للتو من معطف الشتاء ، بل نتخيّل الخبّيزة وهي على هيئة ربطة يانعة وفوقها سكّين خفيفة أو في شكلها النهائي مفرومة الأطراف والأوراق...

لا تعتقدوا أني من مناهضي الخبيّزة . على العكس ، أنا من أقصى اليمين المتطرّف الداعم للخبّيزة ، ويعتبر من أكثر المشاهد التصاقاً في ذاكرتي ، حصيرة 3 فلايج منسولة الأطراف ، تظهر عليها عدّة صليات دائرية قديمة بحجم إبريق الشاي ، تمدّ هذه الحصيرة في قاع الدار قبالة الغرف الأرضية..وحرام عتيق يفرش فوقها ، يتلازم مع هذا المشهد موسيقى تصويرية عبارة عن صوت تقحيط كريك قريب - لا بدّ انه جار انتهز فرصة بدء الربيع للقيام بشيء يلزم الشتاء- أولاد يتبارون في إصابة هدف ما بالغالب تنكة سمن فارغة على ظهر سنسلة قريبة ، وراديو يظهر صوت فريد الأطرش يا حبايبي يا غايبين ..ثم يبرز في المشهد صحن خبّيزة عميق مسنود على حافة السدر ليُزلّ الزيت و الماء عنه قليلاً ، يتبعها زخّات متفرّقة من نصف ليمونة...يتخلل هذا المشهد الرومانسي تقاسم الأرغفة واستعارة نصف الليمونة أكثر من مرّة من فريق الأكل..

الخبيزة أكله طيبة ، لكن الربيع طويل ، وتكرارها الى ذلك الحدّ اللحوح يغدو عقوبة قاسية ، والأقسى من ذلك أن الجارات وقريبات الوالدة لم يكتفين بما وهبنا الله من حاكورة غزيرة الانتاج من الخبيزة ، بل كنّ يهدين أمي عدّة جُرز في تواقيت مختلفة من الموسم مما كنت أعتبره بيني وبين نفسي نوع من تصدير الأزمات ...

لم يكتفِ الانسان بتدجين الخبّيزة وحدها ، بل جهد بلا جميع أعشاب الربيع وطحنها بين فكّيه دون أن يتأكّد من فائدتها أو صلاحيتها للاستهلاك البشري...إليكم بعض الأسماء التي تذكّرتها ، وكنّا نتجلّى على قضمها أو لفّ أوراقها أو سحب الرحيق من جذورها وكأننا في رحلة مع صراع البقاء في أحد الأدغال. ( مرّار، عِلت، خرفيش، زعمطوط ، حمّيض، لسان الثور، سلق، لوف،دنيدله ، خويشقة ، كريشة الحيّة ، قطميز، جعدة ، قصيصّة ، جلتون ، بسباس، قرّام ، عكّوب، شلعب بلعب)...

شعوب العالم تنتظر الربيع لتستمع بطقسه ومنظره والتقاط الصور لبهائه الأخضر . ونحن ننتظره لنمضغ الزعمطوط .

ملاحظة غير مهمّة : الجعدة والدنيدلة تستخدمان في طبخة (التشعاتشيل الأورجينال) وتعتبران من أهم النباتات عديمة الفائدة.