لماذا لعن الله اليهود ؟

يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة البقرة: “إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس
في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم.
إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون”.

قال ابن عباس في سبب نزول هذه الآيات: سأل معاذ بن جبل، وسعد بن معاذ، وخارجة بن زيد بعض أحبار اليهود
عما في التوراة من صفات النبي صلى الله عليه وسلم فكتموا، فأنزل الله فيهم هذه الآية “إن الذين يكتمون”.

والكتم والكتمان إخفاء الشيء قصدا مع مسيس الحاجة إليه وتحقق الداعي إلى إظهاره وكتم ما أنزل الله يتضمن
إخفاء ما أنزله، وعدم ذكره للناس، وإزالته عن موضعه ووضع شيء آخر موضعه، كما يتناول تحريفه وقد فعل
اليهود كل ذلك، فقد كانوا يعرفون مما بين أيديهم من آيات أن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم حق، ولكنهم
كتموا هذه المعرفة حسدا له على ما آتاه الله من فضله، كما أنهم حرفوا كلام الله وأولوه تأويلا فاسدا.

كتمان العلم النافع

والمراد “بما أنزلنا” ما اشتملت عليه الكتب السماوية السابقة على القرآن من صفات النبي صلى الله عليه وسلم من هداية وأحكام.
والمراد بالكتاب جنس الكتب، فيصح حمله على جميع الكتب التي أنزلت على الرسل عليهم السلام وقيل المراد به التوراة.
والمعنى العام لهذا الآية الكريمة كما يقول الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر: أن الذين يخفون عن قصد وتعمد وسوء نية
ما أنزل الله على رسله من آيات واضحة دالة على الحق، ومن علم نافع يهدي إلى الرشد، من بعد ما شرحناه وأظهرناه للناس
في كتاب يتلى، أولئك الذين فعلوا ذلك “يلعنهم الله” ويلعنهم كل من تتأتى منه اللعنة كالملائكة والمؤمنين بالدعاء عليهم بالطرد
من رحمة الله لكتمانهم لما أمر الله بإظهاره.

وقوله “أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون” يفيد نهاية الغضب عليهم حتى لكأنهم تحولوا إلى ملعنة ينصب عليهم اللعن من كل مصدر.
والآية الكريمة وإن كانت نزلت في أهل الكتاب بسبب كتمانهم للحق إلا أن وعيدها يتناول كل من كتم علما نافعا،
أو غير ذلك من الأمور التي يقضي الدين بإظهارها.

هل من توبة؟

وبعد هذا الوعيد الشديد لأولئك الكاتمين لما أمر الله تعالى بإظهاره، أورد القرآن في أعقاب ذلك آية تفتح لهم نافذة الأمل،
وتبين لهم أنهم إذا تابوا وأنابوا قبل الله توبتهم ورحمهم فقال تعالى “إلا الذين تابوا” أي رجعوا عن الكتمان وعن سائر
ما يجب أن يتاب عنه وندموا على ما صدر منهم “وأصلحوا” ما أفسدوه بالكتمان بكل وسيلة ممكنة “وبينوا” للناس حقيقة
ما كتموه “فأولئك أتوب عليهم” أي أقبل توبتهم وأفيض عليهم من رحمتي ومغفرتي “وأنا التواب الرحيم