مقارنة العمارة الإسلامية بالغربية : دراسة مقارنة لعمارة الحضارة الإسلامية مع الغربية

بقلم رفعة الجادرجي

1 ـ المقدمة


إن البحث في ظاهرة الجمال في عقل الإنسان، هو البحث في قيمة تمنحها الذات إلى التكوين الشكلي لمصنع ما، و لا فرق أكنا نبحث العمارة أم الرقص أم الأدب أم المنحوتات. لذا البحث في جمال عمارة الحضارة العربية ـ الإسلامية، يتعين أن يكون بحثا أولا في المبادئ الأولية لعموميات العمارة، و القيم التي تمنحها و تحققها حسية الإنسان للصفات الإبتمالية القائمة فيها، أو المحملة عليها، على شكل العمارة عامة. و من ثم يواصل البحث إلى العينيات التي حققتها الحضارة المعينة. و إلا يكون موقفنا من البحث في العمارة، بمثابة القفزة إلى استنتاجات قبل تحقيق استقراءات مناسبة و من غير عرضها إلى فحص صارم. سيصبح البحث في أحسن حالاته، عموميات، قليلة المعنى.

* (إن صفة الإبتمال optimality في تحقيق المصنَّعات artifacts و التعامل معها، هي ذلك التوازن المناسب بين إرضاء حاجة الفرد لتأمين البقاء، و قدرات الطاقة المستنفدة، أي القدر الأجدى في إرضاء الحاجة و الكم الأقل من استنفاد الطاقة، شرط أن يحقق هذا التوازن الموقع المناسب للفرد في مجال المنافسة. و شرطه الثاني، تداخل الوعي و الحس sensibility بهذه الصفة القائمة و المبتكرة في المصنَّعات، و منحها قيمة ذاتية، مع تلك الصفات الإبتمالية القائمة في الظواهر الطبيعية)(1) .

يتطلب هذا البحث تحديد و تعريف بنيوية العمارة(2) و القيم المبتكرة ضمنها: كيف تتحقق، و من يحققها. بمعنى آخر، ما هي المقومات و الآليات و الحركات المعرفية و العاطفية التي تؤدي إلى ابتكار الشكل لمصنّع artifact ما، سواء أكان عمارة أم منحوتة؟ و ما هي مقومات و حركات الدورة الإنتاجية(3) التي تحقق شكل المصنع، و كيف يحمل هذا الشكل معرفة و عاطفة الشيء، و كيف تتقدم قدرات حس الفرد المتلقي و المشاهد، فتمنحها قيمة؟ و كيف و متى تترجم القيمة بكونها صفة للجمال؟ لا يمكن لنا هنا الدخول في هذه المقومات، إلا بصيغة مختزلة.

* (الشكل form، هو ذلك الكيان الملموس و الذي يظهر للوجود ليقوم بوظيفة معينة، و يكون ظهوره محصلة لمتطلبات وظائف حاجة معينة. فيأخذ هذا الكيان وجوداً مستقلاً عن المقومات التي كانت سبباً في ظهوره. كان كارل ماركس ـ في احد رسائله لصديق له ـ ربما أول من عرّف الشكل بهذا المعنى. فعرّف ظهور وظيفة الدولة بالنسبة إلى الطبقة/الفئة التي تقوّمها و تدعمها لتقوم بحماية مصالحها. فتصبح الدولة كياناً مستقلاً، لها مصالحها و تاريخها. فالشكل في العمارة و مختلف المصنعات، ما إن يتحقق و يظهر للوجود، حتى يأخذ موقعاً اجتماعياً حسياً و معرفياً خارج المقومات التي أدت إلى ظهوره. و لذا يستمر في الزمن و يتجاوزها، و يكتسب وظائف أخرى. كتجاوز السيوف في المتاحف لوظيفتها الأساس، و بعض القصور الأوربية التي أصبحت مطاعم، و القلاع العسكرية التي أصبحت متاحف.)

قبل البدء في بحث الموضوع، علينا أن نعرّف العمارة بكونها حاجة يتعين إرضاؤها. و يتحقق ذلك من خلال الدورة الإنتاجية. كما تتحقق صفات الإبتمال ضمن هذه الدورة، و القيمة التي تمنح لهذه الصفة. إن شرط منح قيمة لصفة الإبتمال، هو قدرة الذات الواعية بذات وجودها، منح أهمية لهذه الصفة بكونها أداة مناسبة لتأمين البقاء: راحة الوجود و استمتاع الذات بهذا الوجود ـ الوجود هو وعي الذات ببقاء يمتد بالزمن. فهو بقاء يمتلك مخيلة و ذاكرة تعي بحاضر يمتد في كلا الاتجاهين: الماضي و المستقبل.

فالحس بصفة جمال الأشياء، تنبني أو تظهر ضمن موقف ذاتي للفرد المعيّن المتعامل مع شكل الظاهرة المعينة، أو الشيء العيني. لكن هذا الفعل هو تجربة ذاتية تحصل بتفاعل مع علاقات قائمة للتكوين الشكلي المادي للشيء المتعامل معه. لذا فالقيمة المحصلة في آنية التفاعل هي ذاتية، و لكنها مشروطة بظرف مادي، لأنها تحصل ضمن الدورة الإنتاجية.

يتمتع الفرد الطبيعي بقدرات الحس بصفات الإبتمال القائمة في الأشياء، سواء أكانت الأشياء المتعامل معها هي مصنعات أو ظواهر طبيعية. و لكن هذه القدرات تبقى مسبتة ما لم تحرك و تدرب و تهذب لتصبح فعالة في مجال معين من التعامل مع صفات الإبتمال، المصنعة منها أم الطبيعية.

التتممة