نهاية قصة الشجرة الغبية ( موضوع سياسي )

نهاية قصة الشجرة الغبية
12/4/2007

أخبار الرئيس الإيراني التي أعلن من خلالها دخول بلاده النادي النووي بانتقالها الى مرحلة تخصيب اليورانيوم على المستوى الصناعي، تضع الأزمة الإيرانية– الأميركية المحتدمة بين حدي الغموض الاستراتيجي وفرضية اللعبة السياسية في زاوية حرجة، يثبت ذلك تراجع هامش المناورة الطويل الذي امتد على مدى ثلاث سنوات مضت، وازدياد احتمالات العمل العسكري بين لحظة وأخرى.

وتقدر المؤشرات والتسريبات الأمنية والإعلامية، التي ترجح قرب الصدام العسكري، عملية مفاجئة ربما لن تنتظر الصيف الساخن؛ ففي الوقت الذي بدأت الولايات المتحدة عملياً تهيئة ساحة المعركة بدخول بارجة نووية الى مياه الخليج العربي ونشر حاملتي الطائرات ايزنهاور ومستينس في منطقة الخليج بالقرب من الشواطئ الإيرانية، ونشر صواريخ باتريوت في بعض الدول العربية يزداد الخطاب الإيراني غلوا بتهديد طهران بالخروج من معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية إذا فرضت عليها ضغوط جديدة.

الاقتراب من حافة الصدام العسكري يعني من جهة نهاية مرحلة الغموض الإستراتيجي، ونهاية قصة الشجرة الغبية من جهة أخرى، تلك القصة التي كانت تتخذ مثالاً لطبيعة العلاقات الأميركية- الإيرانية على مدى أكثر من عقدين والتي تختصر غموض إدارة المصالح والأزمات بين البلدين في عهد ثلاثة أجيال من الإدارات والزعامات السياسية بين البلدين، وقصة الشجرة الغبية كما يرويها الدكتور مصطفى العاني تتلخص في شجرة كبيرة وقوية في بنيتها ومظهرها وعدوانية في سلوكها، حيث تقوم بحماية ثمارها النادرة بشراسة فلا يمكن الوصول إليها، وتقوم بلف ثمارها بأوراق كبيرة وكثيفة لإخفائها عن العيون، ما يجعل إنسان الغابة وحيوانها وعابر السبيل يروي الحكايات عن أسرارها وقوتها، لكن المفارقة تبدو في الغباء الذي تتصرف به هذه الشجرة في التخلي عن ثمارها، حيث تنتظر غياب القمر في نهاية الشهر للتخلي عن ثمارها واحدة تلو الأخرى، في حين يكون أحد كائنات الغابة قد تعلم الدرس جيداً؛ الصبر وقليل من الحكمة وكثير من تحين الفرص والانتهازية، فيلتقط الثمار في الليل دون عناء أو مشقة، وحينما يخرج النهار وتدب الحياة في الأنام يعود كائن الغابة ليشتم غرور هذه الشجرة وبخلها بينما تستمر هي في العلو وفي سلوكها العدواني.

ومن دون الإسهاب في تفاصيل إسقاط فصول هذه القصة على مشهد العلاقات الأميركية– الإيرانية فان قدرة إيران على مداراة مخالب القوة المتفردة عبر منهج الغموض الإستراتيجي والجلوس الطويل تحت ظل الشجرة الغبية والتقاط الثمار قد علمها الحكمة التي كانت لوقت قريب تثير الإعجاب، قبل تهاوي خطاب الرئيس الإيراني الحالي وحفره تحت جذور الشجرة التي باتت تنتظر هبة ريح كي تلقي بأحد أغصانها الثقيلة من فوق!

فمنذ السنوات الأولى لإنطلاق الثورة الإيرانية نجد ثمة حملة دعائية ضخمة يتم تفريقها بصفقة مصالح متبادلة، نذكر في هذه السياق الحملات الدعائية الأولى ثم التقارب الكبير عام 1981 الذي عمل على إطلاق سراح الرهائن الأميركيين في بيروت، واستمر هذا التقارب والغموض عبر قنوات سرية وليلية وصولاً الى ما سمي (إيران– جيت) ثم صعد هذا المنهج في عهد الرئيس رفسنجاني 1989-1997، بينما كانت الثمار الليلية تهطل على طهران في حقبة الحروب الجديدة بالجملة من أفغانستان الى العراق الى ملفات أخرى، حيث تكثر التفاصيل.

المهم أن مؤشرات الحرب إن صدقت، وللأسف، تدل على قرب نهاية هذه المرحلة الغامضة، مع تلويح القادة الأميركيين بأن خططهم وخرائطهم جاهزة بانتظار الإشارة الأخيرة، ففي الإطار السياسي الاستراتيجي فان الخطوات التصعيدية الأميركية المنتظرة من المتوقع أن تنال خمسة إجراءات أساسية؛ الأول صفقة داخل مجلس الأمن تضمن دفع الأعضاء نحو الاتفاق على تنفيذ قرار الوكالة الدولية للطاقة النووية، وثانيا ضمان حياد المحيط الإقليمي العربي وقد وصل هذا الأمر الى الحد المطلوب عبر عمليات التجييش المضادة لإيران خلال الشهور الماضية والوعود التي تم إطلاقها مؤخراً بشأن صفقة التسوية السلمية التي تجعل العرب يرون في ابتعادهم عن مؤثرات المعركة القادمة مكسبا على جبهتهم الأولى؛ وثالثاً الحد من قدرة الشيعة في المحيط الإقليمي من التأثير في مجريات الحرب المتوقعة من خلال زيادة حدة الانقسامات الداخلية، كما يحدث الآن في لبنان والعراق، ورابعا ضمان مساندة إسرائيلية في الحد الأدنى لوجستية واستخباراتية، ضمن حدود لا تشكل أي اضطراب في الاصطفافات الإقليمية الراهنة، ولا تحدث أي استفزاز إقليمي، وأخيراً الاعتماد على ضربة واحدة مكثفة وواسعة وليس الدخول في حرب طويلة، وذلك بالاعتماد على تكنولوجيا متقدمة ربما تجرب لأول مرة.

بينما تذهب كافة السيناريوهات المرشحة للعمليات العسكرية المتوقعة في خطوطها العريضة نحو التأكيد على عمليات سريعة وضخمة تستمر في أقصر مدى يوم واحد الى أسبوع تستهدف ما بين (500-1000) موقع حيوي واستراتيجي إيراني، تشمل المنشآت النووية ومراكز القيادة والسيطرة، وقواعد الحرس الثوري، وصولاً ربما الى مواقع بعض رجال الدين الكبار، وبينما تتفاوت ثلاثة سيناريوهات في تقديرها لحجم وأهداف ضربة استراتيجية واحدة؛ وهو سيناريو أطلق عليه اسم جورج الكبير الأوسع في الأهداف والعمليات، وسيناريو مجموعة إكسفورد وسيناريو مركز الدراسات الإستراتيجية الدولية، فإنها جميعها وعلى كافة الأحوال لا تزيد في أثر هذه الضربة أكثر من إعاقة أو تأخير سير المشروع النووي الإيراني في حدود خمس سنوات قادمة