دخول

هــــل أنـــت مـــوجــــود ؟؟؟

وهل أنا موجود ؟



الحياة عود كبريت , إذا اشتعل مرة : فلن يشتعل ثانية ! لأن كل ما نشاهده يومياً , وشهرياً , وسنوياً : هي أشياء قابلة للاحتراق , جزء طفيف منها يحترق , وبقية الأشياء تبقى ساكنة وعاطلة بلا وجود , فالاحتراق ينتج عنه الضوء , والضوء نور , وقد كان ديوجين يحمل مصباحه باحثاً عن قلبٍ صادق حسب قوله , إنه لم يحمل فأساً ولا سيفاً , بل حمل مصباحه , ربما ليُحرق صاحب هذا القلب , أو ربما ليصطحبه معه إلى برميل الحكمة الذي كان يقطنه ديوجين ! نحن لا نعيش إلا وفق ضوابط داخلية ونفسية , وهذه الضوابط يجب أن تُحرقنا , فمن يلتسع بالنار تهون عليه كل مرارة .



أنا أحترق إذن أنا موجود …



نحن نحترق لأننا كائنات مادية , محكومون دائماً وأبداً بأنظمة فيزيائية وكونية , لكننا لا نفهم أن ثمة وجود آخر مفارق للمادة , وأنه لا يعترف بهذه القوانين , لأن القوانين اللامادية تسكن في عقولنا , حبيسة قوالب عقلية ومعرفية , نحتاج لتنشيطها من وقت لآخر , عبر العلم والفهم والجدل والرياضة الذهنية , يقول أفلاطون في أحد محاوراته السقراطية أن الإنسان يحبس نفسه في كهف ويتدفأ , ويشاهد ظلاله معكوسة على الجدار , ويظن أن هذه هي كل الحقيقة , ولو وفد إليه رجل من خارج الكهف وقال له أن هناك عالم آخر مختلف عن الكهف لما صدقه , ولوصفه بالعته والخبل ! نحن نقطن هذا الكهف ولم نبرحه إلى الآن , وقد يأتي يوم ونكتشف فيه هذا العالم الآخر , فقط حين نؤمن بوجود عالم مثالي أكثر كمالاً وجلالاً من عالمنا هذا .



أنا مثالي إذن أنا موجود …



من غير المتوقع في كل وقت أن يحترق أحدهم , أو أن يحيا أحدهم , أو أن يفور أحدهم , لكن من المتوقع جداً أن يبقى كل شيء على حاله هامداً بلا حياة ولا حيوية . إن القاعدة هي السكون … والحركة طارئة على هذا السكون , والاستثناء مارق على التقعيد أي إرساء القواعد ! وكان زينون الإيلي يقول أن الحركة وهم , لأننا مهما تحركنا ستحدث عدة انقسامات في المكان , وهي انقسامات لانهائية , وما هو غير منتهي يبقى ساكناً وثابتاً وميتاً . بينما الأحياء تتحرك وتعيش وتفسد وتتغير , فالتغيير فساد في الصورة ونقل لها من شكل لآخر كما قال أرسطو . وهذه الصورة محكومة بالمنطق , فالمنطق صورة عقلية , والواقع مسألة محكومة بالعلل الأربع : الغاية والفعل والصورة والمادة . لكنه واقع متغير , ولهذا هو فاسد .



أنا أفسَد إذن أنا موجود …



لكن الوجود ليس شكلاً واحداً , ولا ماهية واضحة قابلة للتعريف المباشر , أي كما وصفه هيجل بالنظير الموجَب للعدم , والعدم هو النظير السالب للوجود , وكل موجود يحوي نظيره العدمي , وكل شيء يُعدم يتحول لصورة ثانية , والعقل - يعدم بعضه بعضاً - عبر آلية الجدل والدياليكتيك , ونهاية هذه الحركة العقلية توصل الإنسان للمطلق , وفي سبيل المطلق تُعدم الأفكار الصغيرة لصالح الأفكار الكبرى والنسق الفكري الأضخم . ولو أخذنا تاريخ الفكر بمجمله لوجدناه خطاً متقدماً لا يرجع للوراء , فكلما مر الوقت على الفكرة ازدادت نضجاً , بفعل النقد الجدلي , وبفعل التراكم المعرفي , وهذا ما سيوصلنا إلى المُطلق , ولكننا لن نصله قبل إعدام بعض الأفكار غير الصالحة .



أنا أُعدم إذن أنا موجود …



والموجود البشري ليس كائناً كسائر الكائنات , فهو مختلف , مشروع بلا نهاية , وحرية واعية , كله جموح وتمرد وتوق للتحرر , فالحرية - كما وصفها سارتر - ليست عنصراً ثانوياً في التكوّن والارتقاء الإنساني , بل هي عنصره الأساسي . إننا نكتشف وجودنا من خلال الحرية فقط , ولو أن عقلنا , وأحاسيسنا , ومشاعرنا , كلها بقيت مقيدة ومغلولة , لما استطعنا أن نعي شيئاً , الحرية خيال ووعي , العقل حرية , الغريزة حرية , الجنون حرية , ومع انعدام الحرية تختفي كل هذه الأشياء فجأة ولا يصبح لها وجود . والإنسان أكثر الموجودات وعياً لذاته , إنه يوجد من أجل ذاته التي سيكونها وسيخلقها ويشكلها كيفما يريد , لولا هذه الحرية لما كان الإنسان أصلاً , لأصبح حجراً أو شجرة أو أية شيء أعمى بلا حرية .



أنا حُر إذن أنا موجود …



وهذه الحرية قد تكون نابعة من أساسٍ لا واع , أساس جنوني أو ممسوس ببقايا الماضي , والطفولة , والوقت المجمّد , فليس الحاضر من يرسم ملامح حريتنا , بل الماضي له دور مهم في هذه الإجرائية , الماضي هو الطفولة والتربية التي تترسب بطريقة لاواعية في جهازنا الواعي مثلما أخبر بذلك فرويد , لكن غرور الإنسان يمنعه بالإقرار بأن ثمة ركام جنوني في لبّه , فإن كان الوعي هو مصدر الإدراك , فإن اللاوعي هو مصدر الوعي , والإدراك بهذه الحالة يكون مرتبطاً بالكينونة اللاواعية , كينونة تحمل في داخلها تجاور المعقول واللامعقول في آن .



أنا مجنون إذن أنا موجود …



لكن الوعي ليس شيئاً رائعاً كما نتوهم , نحن نعي أشياء مفرحة وندركها بعقولنا , وبعضها قد يكون شيئاً شريراً : فنحن جميعهاً نعي الموت ونتيقن من حلوله إن عاجلاً أم آجلاً , فالإنسان كائن في سبيل الموت كما يقول شوبنهور , وهذا الموت يقبض على كل شيء وينتزع منه دفق الحياة , بسبب الإرادة العمياء للطبيعة , وكل شيء داخل في الطبيعة هو ملك لهذه الإرادة , إننا موجودون وفق هذه الإرادة التي - لم ولن ندرك سرها - بل ندرك ظواهرها الغريبة والمتآمرة - بالإطلاق - على الإنسان , لأن الإنسان مجرد نرد ملقى بلا هدف ولا حقيقة , وهو يتوهم إذ يظن أنه يقبض على الحقيقة , لأنه لا يقبض إلا على هواء سائح !



أنا أموت إذن أنا موجود …



لكن هذه الإرادة لابد من قوة تدعمها , فبالقوة فقط يمكن التغلب على كل الإرادات العمياء , وإذا كانت الحياة بلا هدف أو جدوى حقيقية , فالقوة - وحدها - يمكن أن تعوضنا عن الشعور بهذا النقص , لقد قال نيتشه أن الأقوياء هم من يجدر بهم البقاء , ويجب على البقية أن تهلك ! فالقوي يصمد أمام عمى العبث , والقوي يملك الجلد والصبر والأناة على أن يحقق أهدافه الخاصة والمزاجية , وهو من يفرض كل شيء على الآخرين , يفرض عليهم اللغة , والفكر , والعلوم , وكل القيم الأخلاقية , إن القوة هي أعلى التراتبيات التي يعجز الضعفاء عن فهمها أو الإحاطة بأي جزئية من جزئياتها .



أنا قوي إذن أنا موجود …



القوة قد تولد عدة احتمالات شخصية أو أممية , لكنها رغم هذا , لا تشفع للإنسان بتبرير وجوده , وثمة أوقات كثيرة يجد فيها الإنسان نفسه وسط طريق مغلق , يشبه سيزيف , الذي حكمت عليه الآلهة برفع الصخرة حتى قمة الجبل , ثم إذا وصل القمة تسقط الصخرة , ويعيد سيزيف رفعها , ثم تسقط , وهكذا … مهما بلغت قوة الإنسان تبقى حياته مثيرة للاشمئزاز , وقد تدفعه للانتحار , وهذا ما فكر فيه ألبير كامو كثيراً , الحياة انتحار فاشل , والإنسان يفشل في الانتحار لهذا السبب فقط هو يحيا .



أنا لا أنتحر إذن أنا موجود …



لكن الشخص المؤمن لا يفكر بالانتحار , لأنه يعي حدوده جيداً , والشخص الذي يفكر بالانتحار جاوز حدود التفكير . فالكِلية في جسم الإنسان مطلوب منها وظيفة محددة ومحصورة في تنقية السوائل وهضمها بإتقان , وكذلك الإنسان له وظيفة , وهذه الوظيفة يحددها الدين فقط , فلولا الدين لما بقي الإنسان , واتصال المخلوق بخالقه يضمن وجود هذا الحد حسب رأي الإمام الغزالي , إننا نتعب ونتوه وندوخ لأننا ضعاف الإيمان , والإيمان وحده هو الترياق لكل هذه التأزمات الفكرية والنفسية .



أنا أؤمن إذن أنا موجود …



لكنني وإن آمنت بالله فهذا لا يغير أي شيء , فالأبله وحده يمكن له أن يؤمن دون أن يتفحص ويتدبر سبب وجوده , والطريق إلى الله لا يكون عبر الإيمان القلبي فقط , بل يجب أن يتم إثبات ذلك عقلاً , والعقل شكاك بطبيعته , بل هو من اخترع الشك ! ولكي أؤمن ينبغي عليّ أن أطرح اليقين المسبق جانباً بعد أن أشك فيه , ثم أبدأ بوضع مقدمة منطقية أولى : لا يوجد سوى الفكر كضمانة لصحة وسلامة ما يجول بذهني , أنا لا أشم الله , ولا أراه , ولا أسمعه , ولكن أدرك أن هناك كائن متعالى في السماء , وأنه أكبر المعقولات وعلة كل المعلولات , وهذا الشيء لا يمكن أن أشك فيه , لأنه واجب , والواجب فوق الممكن ونهاية كل احتمال , وأنا توصلت إلى الله بعقلي لا بقلبي , لأنني أفكر فقط , وهذا ما أوجبه ديكارت على كل إنسان !



أنا أفكر إذن أنا موجود …



لكن التفكير ليس كل شيء , فأنا قد أفكر في مسألة من المسائل النظرية , وقد أفكر بخرافة من الخرافات , وقد أوضح هوسرل هذا في أكثر من مناسبة , أنا أفكر بشيء من الأشياء , هذا يعني أنني عقدت عزمي على التفكير فيه , وهذا سبب وجودي , فتفكيري لا يكون في اللاشيء أو العدم , وإنما يتجه مباشرة إلى شيء من الأشياء , أفكر في الشاشة أمامي , أو بالكرسي , أو الطاولة الملساء , لكنني لا أستطيع أن أنبذ كل الأفكار وأطردها من رأسي , فالفكرة موضوع , والموضوع أقصده بفكري , فأنا أعي ما حولي كذات مفكرة , والأشياء مواضيع لوعيي .



أنا المفكَّر فيهِ إذن أنا موجود …



إلا أن هذا التفكير لن يصل لشيء , بل يكتفي بالدوران والتكرارية لأنه لا يلامس سوى السطح , والسطح قد يكون ظاهراً وجلياً , من السهولة تحسسه وحتى إدراكه , لكننا لن نعرف ما وراء الأشياء , فكل التجارب العقلية البشرية كانت تعليلاً للظواهر فقط , ولا نصل للشيء بذاته بل نصل لظاهر الشيء حسبما قال إيمانويل كانط . إننا لا نفكر بالأشياء الحقيقية ونعرف كل حقائقها الباطنة , إن ما نعرفه هي حدود ضيقة مرتبطة بحواس قاصرة وعقل محدود يشرف عليها , حتى الله هو شيء خارج عن الوعي العقلي , ويستحيل أن ندركه , لهذا علينا أن نبني الأخلاق - وكل المسائل غير الظاهرة - عبر الإيمان القلبي , لأن الإنسان حيوان أخلاقي .



أنا أخلاقي إذن أنا موجود …



لكن الدين ليس إلا أسطورة من الأساطير البشرية سببها القلق والاضطرابات التي أصابت الإنسان البدائي القديم , والإنسان المعاصر هو كائن علمي بالدرجة الأولى , فقد انتهى زمن اليقين الديني , وبدأ زمن اليقين العلمي . إننا نعلم لأننا نفكر , ونفكر لأننا نوجد , ونوجد لأننا مواد طبيعية تتشكل وفق صور وأمزجة وآراء متباينة , لكننا جميعاً نتفق على أولوية الحقيقة العلمية . لقد انتهى الزمن الخرافي , وانتهى الزمن الديني , وحان زمن الحقيقة العلمية , العلم فقط صحيح , وما عداه محل نظر وجدل , وهذا هو رأي أوغسطين كونت .



أنا أعلَم إذن أنا موجود …



ليس الدين وحده أسطورة , هناك عدة أساطير تنتظر القضاء عليها , أولها هو الجشع والاستغلال الرأسمالي , فالدين أسطورة والمستفيد منها هي الطبقة التي تشرف على الإنتاج المادي , وهذه الطبقة يهمها حماية التقاليد والأعراف الدينية والشعبية من أجل قهر الطبقة الفقيرة والسيطرة على قوت يومها , وهذا يُنتج فائضاً وسيولة مادية يتم احتكارها لدى فئة ضيقة في المجتمع , إن الكون مادة , والإنسان مادة , والمال مادة , ولا يمكن فهم هذه الأشياء إلا عبر المنهج الجدلي , والفكر صيرورة متحركة , والمجتمع يجب أن يكون أقوى مفاعلات الصيرورة , وأن يتم اسقاط كل الطبقات وجعلها طبقة واحدة , تتسيد نفسها بنفسها كما قال ماركس , وإن لم يكن ذلك , فلا مفر من الثورة ولو عن طريق العنف والقوة , فالحقوق لا تسترد وقتها إلا بهذه الطريقة .



أنا ثائر إذن أنا موجود …



ثم سنعود إلى الاحتراق , فجذوة السؤال لا تنضب , السؤال مثل الشمس التي تطل علينا كل يوم وتخبرنا بأن ثمة إشعاعات فكرية فاتت علينا , وأننا نشتعل فكرياً , ونتوقد ذهنياً , ونترصد كل ما هو قلقي , واستفزازي , وتحفيزي , أي بالضبط ( ما هو فلسفي ) فالفلسفة هي تمرين على الموت ونحن نتسائل , ويكون الغرض من السؤال معرفة الإجابة اليقينية , كان سقراط يقول أن الفيلسوف هو من يحترم الحقيقة بذاتها ويتحاشى الظنون , لأن الظن ترجيحي , والحقيقة قطعية . هكذا كان الإنسان السقراطي : إنسان نظري وعملي , إنسان يحترق قلبه وعقله وهو يحترم الألم من أجل ما هو أكثر جلالاً , وهيبة , من أجل ( الحقيقة )

شكرا لك

مواضيع مقترحة


أســـرار الــبــنـــات
بـحـر الـحـكـمـة
هدية لكل الرومانسيين
لكل م ن جرب الحب ولو لمرة وحدة يفوت ويجاوب عالأسئلة
المافيا كتير صح
ليته كان كاملا‏
استخدم التطبيق