يا فتى!

يا فتى

الاسبوع الماضي، جاءتني الممرضة وقالت لي مبروك اجالك ولد.

... حين يأتي الى العائلة مولود جديد نحمد الله ونشكر الوطن، ونقرأ في أذنه آيات بيّنات، ونكبر ونقيم الآذان على مسمعه.

... فعلت كل ذلك ولكني شعرت أني أوغلت في العمر الف عام، وشعرت اني لا احمل على يديّ وليد وزنه 3 كليو غرام بقدر ما احمل الدنيا بكل تفاصيلها الحية.

... سيكبر على الحب والشوق والقصائد، وسيشتد زنده.. أريده مفتول الزند قوي البنية.. علّني ان ضاقت بي الدروب وداهمني تعب العُمر، اجد من يحملني على زنده.. كما فعلت مع ابي فحين ضاقت به الحياة وضاق بها وجدني على درجات البيت واقفاً.. وقد حملته على يدي كرضيع تاه به الشوق.. وشعرت بيديه وهي تشد رقبتي.

... نحن شعب يحب الاولاد، لانه يعرف انهم، يعودون مع كل عيد الى الكرك ويقرأون الفاتحة على قبورنا ويزرعون الزيتون في المنازل التي تركناها.

... أكبر سريعا.. فأنا اريد ان اعلمك الحب وكتابة الشعر، وسأعلمك كيف تنظم على البحر الوافر، فهو اسهل سأعلمك فن معرفة الجميد، وتذوق السمن البلدي.. وفن فك المسدس وتركيبه.. وسأعلمك درب العسكر والجنوب.. فقد سار جدي عليه وجدك وأبوك.. هناك فقط.. يأتيك الاردن في ساعات الضحى ممتطياً حصانه الابيض ومرتديا شماغه المهدب وستعرف وقتها انه الوطن الذي لا يرخي لجام فرسه حتى وان ارخى الآخرون.

... عليك ان تكبر بسرعة أيها الفتى ربما ستشم في دفتر ابيك بضع كتابات عن الجيش والارض، وستعرف ان الهضاب التي انتجت الفلاحين والعسكر هي ذخيرة الحب والحياة لهذا البلد، فاعقد تحالفك معها، واياك والدولار رائحته نتنه.

... يا فتى كن انقى مني، واجمل كن أصفى فأنا عكّرت مائي السنون، كن أرق فقد قسوت ذات ضحى حين قسى بي المشوار.. وكن سيدا في الميدان وأشهر الحب.. فهو كالسيف، وأشهر من بين اهدابك حُمرة العيون.. فهذا زمن تغتال فيه الفروسية لمجرد الاغتيال.

... صباح الخير يا ''زَودْ'' يا ابني.. انا مرتاح جدا لقدومك.. فقد اطمأن قلبي، وأقسم انك حين يداهمني تعب العمر ستحملني على يديك الحانيتين وستحرس شيبي وحروفي.. وستمر كل خميس درب الجنوب وتقرأ على قبري وقبر جدك الفاتحة وتكمل ما زرعته من زيتون في فناء منزلنا.. والاهم انك ستكمل سيرتنا في دفتر الوطن.. سيرة الهضاب المنسية والفقراء الذين بنوا كبرياء الدولة.. والعسكر الذين خيطوا في عروقهم ودمهم علماً يفصح عن هوية البلد.

... صباح الخير يا ''زَودْ''.. أغلى فتى وأعز منبت وأحلى وطن.



hadimajali@hotmail.com