يوم السقوط

في 9-4-2003- دبي

لم يفارقني صوت مارسيل خليفة في غنائيته: ''احمد العربي''، طيلة الحرب..كنت أنقل شريطه من البيت الى السيارة، ومن السيارة الى البيت، أراجع من خلال صوته وشعر محمود درويش، ''منهاج الثورة'' وانتصاب القامة''،وأتابع باهتمام ''نمو الكرامة'' في عشرين يوماً بعد قحط دام سنوات ..كنت مثل المجانين أضع ''راديو'' صغير على أذني ..بالكاد أستخلص من بين زنين الموجات و''وشيش'' إذاعة لندن خبراً عاجلاً، أو خطاباً عربياً يأتي مسجّلاً من تلك الحنجرة..

طيلة أيام الحرب ..كنت أقف على البحر وقت الغروب،أدعو للنصر، ثم أنشد بصوتي المبحوح بالعجز والغربة ما حفظته من الغنائية: ''احمد الآن الرهينة..تركت شوارعها المدينة وأتت إليه لتقتله.. ومن الخليج الى المحيط، من المحيط الى الخليج كانوا يعدّون الجنازة وانتخاب المقصلة''..وعندما يرتفع الموج الى أعلى وتزّف النوارس الشمس الغائبة كنت انشد بصوت أعلى: ''كل ما أخيت عاصمة..رمتني بالحقيبة..فالتجأت الى رصيف الحلم والأشعار،كم أمشي الى حلمي فتسبقني الخناجر ..آه من حلمي ومن روما.. جميل أنت في المنفى..قتيل أنت في روما''..أنشد وأنشد ..حتى أتعب فأعود الى بيتي وأنا مسكون بصوت الموج وبصوت الرصاص و الانتصار..

في ظهيرة التاسع من نيسان..عدت باكراً الى غرفتي المعتمة - التي تشبه الزنزانة- بيدي كيس خبز..وأشياء لا أذكرها، خلعت قميصي كالمعتاد،وفتحت ''التلفزيون''..صور سريعة لشوارع خالية، عجائر يركضن، ورجل يهين ''الصورة'' بحذائه، خبر عاجل يفيد السقوط / وطفل يرقص ''بمزهرية'' مبتهجاً هي نصيبه من وطن محتل.. ثمة، عاصفة رمل وأوراق تتطاير من دائرة رسمية، كان يوم السقوط بروفه حقيقية ''ليوم القيامة''.. وجوه المذيعين العرب كانت شاحبة بشحوب شمس التاسع من نيسان..قال أحدهم :سقطت بغداد..فسقطت دمعة على كفّي..لا أعرف كيف خرجت من عيني دون أن تستأذن حزني، كيف مرّت مباغتة وموجعة ''كالسقوط''..نسيت الجوع من وجعي..غمرت رأسي في الوسادة وانتحبت كما الأطفال في عتمة الغرفة والرطوبة المشبعة برائحة الموت..

مرّت خمس سنوات، ولم أزل أغمر وجهي في وسادة الحزن على بغداد، ولم أزل أحيا في زنزانة ''ألوجع'' المقيم..كلما مرّ نيسان، فتح لنا جرح بحجم العراق..بلون ثوب ''ام كاظم'' التي نبشت الأرض بحثاً عن ولدها الجندي المفقود بعُرى قميص نيسان..

خمس سنوات، وفي صوتي بقايا النشيد: ''يا أيها المتفرجون تناثروا في الصمت..وابتعدوا قليلاً عنه ..كي تجدوه فيكم، حنطة ويدين عاريتين،وابتعدوا قليلاً عنه..كي يكتب وصيته على الموتى إذا ماتوا، وكي يرمي ملامحه على الأحياء إن عاشوا''..

أيها العراق العربي..لا تمت كما مات ''أحمد العربي''...



ahmedalzoubi@hotmail.com

أحمد حسن الزعبي