"حبة فوق وحبة تحت.. في تضييع التايم والوقت!"

أحمد طالب ثانوية عامة شاطر ومجد، والده يتمنى أن يذاكر بنشاط من أجل أن يلتحق بكلية الطب، والدته تتمنى أن يذاكر من أجل أن يلتحق بكلية الصيدلة، أما أحمد نفسه فهو يريد أن يذاكر -آه والله نفسه!- لكنه لايعرف لماذا يشعر دوما بأن هناك مسمارا مصنوعا من الحديد الصلب موجودا في كرسي المكتب بشكل لا يجعله يجلس ليذاكر أكثر من 30 ثانية على بعض!



ولأنه يجب أن يبدو وكأنه يذاكر أمام والديه، بغض النظر عما إذا كان هذا يعني أنه يذاكر بالفعل أو لا، كان عليه أن يلجأ إلى ما هو آت:

يرفه عن نفسه بين الفينة والأخرى!

يدخل الأب على أحمد متصورا أنه سيجده مقطع نفسه مذاكرة فيفاجأ به يقود فريق ريال مدريد في مباراة حماسية مثيرة ضد مانشستر يوناتيد على كأس أبطال أوربا.. بيلعب فيفا يعني!.. يصرخ الأب صرخة سمعتها القرود في حديقة حيوان الجيزة -وهما ساكنين في مدينة نصر بالمناسبة!-:
- بتهبب إيه يا أستاذ؟!

يرتبك أحمد ويتشتت تركيزه، ويدخل مرمى فريقه هدف قاتل في آخر ثانية من المباراة يتبرم قائلا لوالده:
- عاجبك كده أهو كريستيانو رونالدو خلص الماتش!

- خلصت روحك وجالك كريستيانو في دماغك.. ما بتذاكرش ليه ياواد!
- ما أنا بأريح من المذاكرة أهو يا والدي.. مش بيقولوا عشان التركيز.. الواحد يذاكر 3 دقائق ويريح ساعة ونص!

- ياسلام... طب ما مامتك بتقول إنه بقالك ساعتين ونص بتلعب
- أيوه طبعا.. يعني يرضيك أوصل للنهائي وانسحب منه عشان أذاكر؟ ده حتى هابقى محبط ومش هاعرف أعمل أي حاجة.. إيه ياوالدي مابتردش ليه.. ياحاج.. يابويا!.


_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _

يتحدث في التليفون وكأنه صاحب شركة فودافون!

النعاس يهاجم الأم بشكل يكاد يجعلها تسقط من على الكرسي الذي تجلس عليه في الأنتريه، وأحمد يواصل تحقيقه للرقم القياسي في الحديث في التليفون دون انقطاع:
بيقولك الواد سيد فرقع البت سوسن.. هو الواد ده كده أصلا.. يعمل فيها حسين فهمي وفي الآخر يطلع أحمد الفيشاوي! سيبك منهم.. سمعت أغنية محمد فؤاد الجديدة.. بيقولك مسروقة من أغنية تركية.. وماله يعني.. المهم أنه ركب عليها كلام مصري! أنا عملتها رينج تون أما أقفل ابقى رن عليّ واسمعها.. بس ما تطولش في الرنة عشان ما افتحش عليك.. آه أنا عيل قوي في الحاجات دي.. هع هع هع

يدخل الأب الحجرة في هذه اللحظة والشرر يتطاير من عينيه.. شرررر!
إيه بتقول إيه؟ لو جبنا المحور س جنب المحور ص يبقى عملنا متوازي مستطيلات؟ طيب افرض بقى ثاني أكسيد الكربون دخل في الموضوع؟ يبقى مين بقى الفاعل والمفعول؟ وليه في الحالة دي بقى تصدر ترينيداد القمح إلى اليونان؟...

يشير الأب إلى رقبته وقد اتخذت يده شكل السكين في تهديد واضح وصريح.. هادبحك!..
طب ماشي يازعيم.. هنكمل مذاكرة بعدين بقى سلام...

يغلق الهاتف، ثم وهو يتصل برقم آخر يقول لوالده:
خير ياوالدي.. كنت عايز حاجة.. أصل لازم أتكلم في التليفون دلوقت عشان اسأل ميدو صاحبي هو فيه مدرسة يوم الجمعة ولا لأ.. أنت عارف كل حاجة بتتغير اليومين دول.. أيوه يا ميدو إزيك يامان.. صوت ارتطام جسد بالأرض... بأقولك ما تعرفش حاجة كويسة تفوق الأب اللي أغمي عليه؟!


_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _

نهار داخلي/ شركة للاستيراد والتصدير

ها هو أحمد كبر وبقى زي الفل، دخل كلية التجارة، واتعين بواسطة كبيرة قد كوبري قصر النيل، في شركة بتستورد حاجات كتير وما بتصدرش أي حاجة، الشغلانة صعبة ومحتاجة سرعة في الأداء ودقة في العمل.. وهي مواصفات متأصلة عند أحمد طبعا.. مش محتاجة شرح دي..

مدير الشركة يصرخ:
ياجدعان والنبي حد يجيب لي الموظف اللي اسمه أحمد.. حاسس أنه لابس طاقية الإخفاء.. مش باشوفه خالص على مكتبه.. ولما اتصل بيه على الموبايل ألاقيه مشغول.. ولما ييجي يقول لي أصل كنت في الحمام.. وساعات كنت باصلي.. وساعات كنت باشتري سجائر.. وساعات كنت موجود على المكتب بس حضرتك ما شفتنيش.. أعمى أنا.. وآخر مرة باسأله كنت فين وبتضيع الوقت ده كله في إيه.. وفين الشغل اللي متأخر عليك.. رد عليّ وقال ما تخافش يافندم.. كل شيء تحت السيطرة النهارده التوقيت الشتوي راجع ومعانا ساعة زيادة في الشغل!.. يارب!

يظهر أحمد قادما في هدوء من آخر الممر وقبل أن يتفوه المدير بكلمة واحدة يتكلم هو قائلا:
عمرك أطول من عمري كنت لسه بأدور عليك والله يافندم.. معلش أصلي كنت باصلي وبعدين جالي مغص فدخلت الحمام فقلت بقى أرفه عن نفسي شوية فنزلت جبت سجائر ورجعت المكتب وحضرتك عديت من جنبي وكأنك ماشفتنيش فقلت آجي أطمن على صحة نظرك وأسألك.. هو التوقيت الشتوي خلص ولا لسه شغال؟!

_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _

من غير لف ولا دوران
كنت كام مرة أحمد؟


أحمد اللي ممكن ياخد دكتوراه يكون عنوانها..
حبة فوق وحبة تحت في تضييع التايم والوقت!

وإيه السبب.. اللي كان بيخليك تتفنن في تضييع الوقت سواء إن كنت طالبا في المدرسة ولازم تذاكر أو لو كنت موظفا وبتشتغل في أي مؤسسة الوقت فيها له قيمة وأهمية كبرى..

وتفتكر.. المصريون بيحترموا الوقت وبيقدروه التقدير المناسب؟
ولا.. الوقت ده بالنسبة لهم مش مهم!.. والمهم أن اللحظة الحلوة ما تتعوضش.. وضيع الوقت بمزاج.. بُكره فيه ساعات على ساعات!


والسؤال الأهم..
هل ممكن الإنسان اللي ماكنش بيهتم خالص بالوقت
وبيضيعه زي ما بيضيع لاعب فاشل ضربات الجزاء..

أنه يتحول في يوم من الأيام إلى شخص تاني
عارف قيمة كل ثانية بيضيعها في الهواء الطلق؟


ممكن؟!.. طب إزاي؟!

الوقت كالسيف ان لم تقطعه قطعك … ما حد بحس بقيمة الوقت الا لما يضيعه